أن تصل مسيرة التعليم إلى أن يكون فيه يوم دامٍ (ليس بدماء مدرسات الحوادث المرورية بل بدماء المدرسين بأيدي طلابهم، هو نذير بأن التربية في بلادنا انحدرت سلوكياً، فالمدرس الذي كان طالبه لا يتكلم بحضرته احتراماً له أو خوفاً أصبحت السياط الحمراء على ظهره بيد طلابه، وآثار الضرب أو الكسور في ساقه بفعل من ينبغي أن يكون له عبداً، ففي المثل للطلاب المثاليين «من علمني حرفاً كنت له عبداً».
ما حصل في قرية (المرامية) في ينبع من اعتداء جماعي من طلاب على معلميهم لا يجوز أن ينتهي عند تحقيق، ولا نقل طالب، ولا حرمانه من التعليم ولا سجنه، بل تتجاوز ذلك إلى مسيرة التعليم، وكيف تحوّل الطالب من خائف من سياط المعلم إلى حامل سياطٍ على المعلم، وكيف أصبح الخائف هو المدرس والبعبع هو الطالب- ولابد من دراسة الأسباب بتجرد، وهل هي من داخل المدرسة أم البيت أم المجتمع أم النظام التربوي نفسه أم من وسائل

الأزمة أزمة تعليم عالٍ وإن
سالت الدماء في الثانوية

خارجية كسخرية الإعلام من المعلم وتهوين شأنه، أم من ضياع هيبة المعلم بعد المبالغة في عدم إنزال عقوبات بالطلاب أم أن حقوق الإنسان حفظت حق الطالب وتناست حق المعلم؟
الحوادث التي نُشر عنها تعود إلى طلاب ثانوية، والسبب المعلن هو انخفاض الدرجات في الامتحان مما سيترتب عليه انخفاض المعدل وعدم دخول الجامعة والنتيجة هي أن السبب هو الدخول إلى الجامعة الذي تعقَّد حتى وصل إلى الانتقام من المدرسين بالضرب كما حصل في ينبع أو إغلاق الطريق كما حصل في مكة أو تكسير السيارات الذي حصل في أكثر من مكان، حتى لجأت ثانوية (المرامية) إلى إصدار 98 شهادة وهمية يتجاوز نسبة الطلاب في الاختبارات 98% من أجل محاولة إنهاء الأزمة مع الطلاب لفك حصارهم للمدرسة (عكاظ 20/1/1428هـ، ص6) فاستحقت هذه الثانوية الوصف بثانوية الرعب وما نشر من صور لظهور المعلمين وأقدامهم وسيقانهم يدل على حجم المأساة التربوية.
أسباب الأحداث هي أزمة الحرمان من التعليم الجامعي وإن كان اندفاع الشباب أوصلهم إلى التهور الذي نتج عنه هذه الكارثة التربوية؛ فإن الحلول ينبغي أن تشمل سبب التهور وهو تعقيدات الدخول إلى الجامعة: من النسبة في الثانوية إلى اختبارات المستوى، إلى النسبة المكافئة والمقابلة، إلى ما أعلن عنه من امتحان جديد لتحديد الكلية المناسبة.
لابد من مواجهة الحقيقة للوصول إلى الحل، فالعقوبة ينبغي أن تنال كل طالب معتدٍ بجانبيها الجنائي والتربوي ولكن لا يجوز التوقف عند ذلك، بل لابد من حل أزمة التعليم العالي التي قد تتسبب مستقبلاً فيما هو أسوأ، أما ما يكرر من نشر التوعية بدور المعلم فهذا من الحلول الإنشائية لا الواقعية، وإصدار عقوبات صارمة على المعتدي والمحرض يجب أن توجد للتأديب، ولكن لن تمنع تكرار المشكلة في مكان آخر، ولابد من إيجاد مقاعد في الجامعة بالآلاف بقدر خريجي الثانوية وبحجم الجيل الناشئ والغالب على سكان بلادنا، فالأزمة أزمة تعليم عالٍ وإن سالت الدماء وكسرت العظام في الثانوية وقد تمتد لأساتذة الجامعة.
ص.ب 45209 الرياض 11512 فاكس 012311053
IBN-JAMMAL@HOTMAIL.COM