الخوف الذي يسيطر على غالبية الناس من مرض السرطان، بسبب نهاياته المأساوية في أغلب الأحيان، يجب ألا يمنعنا من التفاؤل بالجانب المشرق الناتج من التطورات الكثيرة المدهشة التي حدثت في السنوات الأخيرة ومازالت تحدث بشكل مُتسارع كل يوم في مجال فهم طبيعة هذا المرض أو مسبباته أو تشخيصه أو الوقاية منه أو علاجه.
في مجال فهم المرض، مثلاً، تم تحديد مواقع العديد من الطفرات الوراثية التي تؤدي إلى خلل في عمل الخلية يقودها في النهاية إلى التكاثر الذي لا يمكن السيطرة عليه والانتشار إلى أنسجة مختلفة لا تصل هذه الخلايا عادة إليها. وقد أدى اكتشاف هذه الطفرات وتحديد الخلل الناتج عنها إلى تحسن في تشخيص المرض وتصنيفه إلى أنواع مختلفة ومتابعة مدى استفحاله أو مقاومته للعلاج.
وفي مجال التعرف على مسبباته تم إثبات العلاقة الوثيقة بين بعض العوامل المسرطنة مثل التدخين والتأكد من دوره في سرطان الرئة أو أثر التعرض المفرط لأشعة الشمس في سرطان الجلد، مما يُوضح طرق الوقاية الفعالة ويُؤسس لبرامج التوعية من هذه الأمراض. كذلك تم إثبات الدور الذي يلعبه التعرّض للإشعاع أو عدد كبير من المواد الكيميائية التي تلوث الهواء أو الماء أو الغذاء. إضافة إلى ذلك تم الربط بين العدوى ببعض الكائنات المعدية وأنواع معينة من السرطان.
بالنسبة للوقاية، بالإضافة إلى إزالة أو تجنب المسببات المذكورة، ظهرت

يزداد انتشار سرطان الرحم في المجتمعات
ذات العادات الجنسية المتحررة

فاعلية التشخيص المبكر في رفع كفاءة العلاج خاصة بالنسبة لسرطان الثدي وسرطان الرحم اللذين ترتفع نسبة النجاح في علاجهما بصورة كبيرة كلما كان اكتشافهما مبكراً.
بالنسبة للعلاج بالإضافة إلى العلاج الجراحي لإزالة الأورام الموضعية حدثت تطورات كبيرة في العلاج بالأشعة أو بالأدوية والنظائر المشعة التي تفتك بالخلايا السرطانية. وبناء على الفهم المتعمق للاختلافات الدقيقة بين الخلايا الطبيعية والسرطانية تم تطوير أجيال جديدة من أدوية السرطان تستهدف المكونات الخاصة بالخلايا السرطانية دون التعرض لمكونات الخلايا الطبيعية المتكاثرة، مثل خلايا المناعة، على عكس الجيل الأول من الأدوية السرطانية الذي يفتك بجميع الخلايا المنقسمة دون تحديد، وتشمل الأدوية الجديدة عقار «جليفيك» المستخدم لأحد أنواع سرطان الدم (اللوكيميا من نوع CML) بالإضافة إلى بعض الأنواع الأخرى من السرطان، وعقار «هيرسبتين» لبعض أنواع سرطان الثدي.
وتلعب الكائنات المعدية دوراً أساسياً في نسبة قد تصل إلى 15% من إجمالي الأمراض السرطانية، يشمل ذلك عدداً من الفيروسات، وبعض البكتيريا مثل «هيلبكوبكتر» التي ترتبط عدواها المزمنة بسرطان المعدة. ويفتح التعرف على هذه الكائنات إمكانيات كبيرة للوقاية من السرطانات الناتجة عنها بواسطة الوسائل المتعارف عليها في علاج الأمراض المعدية وهي المضادات البكتيرية (للوقاية من سرطان المعدة الناتج عن الإصابة بالهليكوبكتر) أو المضادات الفيروسية (للوقاية من سرطان الكبد الناتج عن الإصابة المزمنة بفيروسي الكبد الوبائي من النوع ب، ج)، وكذلك بواسطة اللقاحات التي يركن إليها بشكل أساسي في مكافحة الكثير من الأمراض المعدية. أول لقاح لعب دوراً أساسياً في مكافحة السرطان في الإنسان كان لقاح فيروس الكبد الوبائي من نوع (ب) الذي أخذ مكانه بين اللقاحات الأساسية لجميع الأطفال في أغلب دول العالم وأدى إلى نتائج ملموسة في انخفاض حالات سرطان الكبد الناتجة عن هذا الفيروس.
الآن ينفتح المجال لاستعمال لقاح فيروسي جديد في محاربة نوع آخر من السرطان وهو سرطان الرحم الذي تُسببه مجموعة من الفيروسات يطلق عليها الفيروسات الحليمية البشرية Human Papilloma Viruses. اللقاح الجديد لهذه الفيروسات انتجته شركتان عالميتان لصناعة الأدوية اعتمدته هيئة الغذاء والدواء الأمريكية. ويعتبر سرطان الرحم ثاني السرطانات انتشاراً بين النساء فوق سن 35 عاماً في الدول النامية الأشد فقراً وكذلك ثاني أهم أسباب الوفاة الناتجة عن الأمراض السرطانية على مستوى العالم، لكن ضرره يقلّ كثيراً عن ذلك في الدول المتقدمة التي يشيع فيها اتباع طرق الكشف المبكر والوقاية والعلاج. ويتم تشخيص حوالى نصف مليون حالة جديدة من سرطان الرحم سنوياً في العالم. ويقتل هذا السرطان حوالى نصف ذلك العدد (ربع مليون امرأة مصابة) سنوياً، ويزداد وقوع هذا النوع من السرطان في المجتمعات ذات العادات الجنسية المتحررة بسبب انتقال العدوى المسببة له بواسطة الممارسات الجنسية الإباحية، ولهذا السبب فإن نسبة حدوثه في مجتمعنا المحافظ، بحمد الله، تبقى منخفضة.