مشروع الوعي الحضاري
د. مسفر بن علي القحطاني
المراد بالوعي الحضاري: إعادة تشكيل الذهن وتعميق التصور وتنمية الفكر نحو الرسالة الحضارية للاسلام بكل شمولها للمجالات العبادية والعمرانية وعمومها للزمان والمكان والافراد. فالمشروع هو اشبه بخطاب لعقل المسلم يعيد فيه قراءة الشريعة الاسلامية التي جاءت بالإشهاد على الناس من خلال سماحة الشرع وتقديمه احكامه ودوره في علاج مشكلات المجتمعات والنهوض بأفراده. ان اي تحضر لامة من الامم لابد ان يسبق بفكرة تنطبع في اذهان اصحابها الى درجة الاعتقاد الجازم المفضي الى البناء المشترك والعمران الحضاري، يقول مالك بن نبي: «ان حضارة ما، هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر، الدفعة التي تدخل به التاريخ» وهو ماأثبته توينبي من دور عظيم للفكرة وبالذات الدينية من اثر في تأسيس الحضارات، لذلك كان التركيز على اعادة اظهار هذه الفكرة بتوعية المسلمين بها وتعميقها في اذهانهم وانفسهم كما نطق بها القران الكريم في قوله تعالى: «كنتم خير امة اخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله» وفي قوله سبحانه: «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» وهو الدور الذي قام به عليه الصلاة والسلام في احداث التحضر العظيم الذي اسسه في المدينة وانطلق الى اصقاع الارض، وهذا الوضوح في الفكرة نطق بها ربعي بن عامر اجابة على سؤال رستم له عن سبب هذه الحركة التغييرية التي تقومون بها، فقال له ربعي: «الله ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد الى عبادة رب العباد ومن جور الاديان الى سعة الاسلام ومن ضيق الدنيا الى سعة الدنيا والاخرة».
الوعي هو الوقود الحقيقي لحركة العمران التي انطفأت في الامة منذ قرون، ولابد من اشعال الوعي الحضاري الذي يدركه كل مسلم وينطلق من خلاله الى الاصلاح والتغيير، فالمشروع يهدف الى الاسهام في تنوير الوعي بهذا الدور واصلاح الذهن لهذه الانطلاقة الحضارية.
دواعي المشروع الحضاري:
1- المد العولمي بكل الاته الاعلامية والثقافية والاقتصادية والسياسية، والذي بدأ بغزو كل مجتمع ويذيب كل الثقافات والفروقات تحت انموذج غربي ينبغي ان يسود لوحده ويؤثر في الجميع، وبالتالي ظهرت اجيال من المسلمين منسلخة عن شريعتها منبهرة بعجل السامري، تحتاج الى افاقة واعية تبحث في دينها العظيم عن مكامن ثباتها واعتزازها وعلوها على سائر الامم بدلا من الانهزام النفسي الذي تعيشه اجيال اليوم.
2- الضعف والانحطاط في البلاد الاسلامية في جميع الميادين الحياتية، مما جعل هناك حالة يأس في الانفس من النهوض مرة اخرى، وحالة شك من ان نملك ادوات التحضر المنشود.
3- المحاولات الاصلاحية التي اغفلت التركيز على الوعي الحضاري وكون الاسلام رسالة تحمل الهداية والرحمة والتقدم للكون والانسان وذلك بالبدء اما بالعمل السياسي المجرد او العمل التراثي العلمي او التزكية والتحلية للنفس والروح او العمل القتالي كوسيلة للنهوض بالامة، الى غيرها من اجتهادات كانت تنحو الى جعلها هي مدار الدين ومرتكز التغيير، في حين لا يزال الوعي بالشريعة منحصرا في تلك الزوايا غافلا عن تلك المعاني الاخرى، فالمرحلة الحالية تحتاج الى زرع الثقة بالدين وترتيب العقل المسلم وتشكيل ذهنه نحو القابلية لهذا التحضر ودفعه الى ميادينها المتنوعة والمتكاملة كشريعة واحدة لا كمذاهب متفرقة.
منطلقات المشروع الحضاري
1- تعميق الوعي بمقاصد الشريعة الاسلامية وربط الاحكام بها وتنبيه المسلم على دورها في توضيح الصورة المتكاملة للدين كونه طريق السعادة في الدارين، وذلك من خلال الميادين التالية:
أ-تعظيم العبودية لله من خلال التدبر في اياته المقروءة والمنظورة، والتركيز على جوانب العظمة الحقيقية التي تجعل الانفس اقرب الى الله في كل حال بدلا من التركيز على الجوانب العلمية في التوحيد او اسلوب التخويف في الوعظ الذي يجعل الانفس تمل وتكل وربما تفتر، وهذا له دور في تنظيم وحدة الفكر والاخلاص والعمل.
ب- التأكيد على المقاصد عند الإفتاء بذكر العلل والحكم من التشريع وتهذيب النفوس بالأحكام، والتيسير ورفع الحرج فيما يغلب فيه الضيق والعنت او الحاجة والشيوع مع التدرج بالناس عند المنع واعطائهم البديل المباح عند التحريم، وادراك المفتي بمهمته في العمران الحضاري المتجدد والمواكب لكل التغيرات الحياتية.
ج- تلقي الاحكام وتوضيحها على اساس الكليات الخمس بحفظو الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وجعل هذه الضروريات الخمس متبلورة في ذهن المسلم ومناهج التغيير في المجتمع.
2- تعميق الوعي بفقه العمران الحضاري، من خلال:
أ- التأكيد على ان وجود المسلم مرتبط بمهمتين: العبادة لله والعمارة للارض وفق مقتضيات تلك العبودية.
ب- إعطاء العلوم والمعارف والفنون الانسانية دورها من الاهتمام والتعلم والهيبة وتحقيق التكامل بينها والتوازن في عرضها لبث العمران المادي ونشر ادواته بين المسلمين.
3- تعميق الوعي بالشهود الحضاري من خلال الدلالات اللغوية لمعنى الشهود الذي جاء في الاية في قوله تعالى: «وكذلك جعلناكم امة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا» ومن معاني الشهادة:
أ- ان الشاهد لابد ان يكون عالما بما يشهد به علما يقنع الاخرين بالحجج والدلائل.
ب- ان يبينه ويظهره للاخرين.
ج- تبليغه لمن يحتاجون و ينتفعون به.
د- العدل و الامانة في تبليغ الشهادة.
آليات المشروع الحضاري:
1- التأليف والنشر.
2- الكتابة الصحفية في الدوريات الثقافية.
3- الندوات والمحاضرات.
4- البرامج التلفزيونية والإذاعية.
أضف تعليقك