ربما يظن البعض أنني أكرر ما كتبته في الموضوع السابق عن افتقادنا لمعنى التراحم خاصة بين المؤمنين. وقد يكون في ذلك الظن بعض الصحة، فالمعاني الإنسانية السامية سلسلة واحدة من حلقات تصل بعضها ببعض وهي تربط سني العمر معاً، وكل حلقة لها ارتباط بما قبلها وبما بعدها، ونحن كمسلمين من المفترض أن تغلف وتحتوي تلك الحلقات بكل معاني الخير التي لابد أن يتصف بها المسلم متخذاً سيد الخلق عليه الصلاة والسلام أسوة سلوكية في أقوالنا وأفعالنا.. وتوجهاتنا.
فإذا كان التعليم والصحة تكررا مرات ومرات في ما تناولته من موضوعات، إلا أنها كانت حول ما يحيط بها من مشاكل، حاولت على قدر علمي وجهدي وإحساسي بها أن أقدم بعض المقترحات التي رجوت الله أن تكون صائبة، وتقدم حلولاً.
لكن طرحي هذه المرة سيكون حول الهدف الأسمى ليس فقط في هذين الحقلين، بل لكل أمر من أمور الحياة ومن كل إنسان وأعني بذلك أن المسلم المؤمن مُطالب بأن يتوجه بأي عمل يقوم به إلى الله تعالى، وأن يرجو الله أن يتقبله منه، وأن يعود نفع ما يقوم به عليه وعلى المسلمين ثم يسلك السبيل التي تعينه على تحقيق ذلك الهدف، غير

من حق الطبيب أن يحدد لنفسه الأجر
المتناسب مع علمه وخبراته ولكن..!

متناس بطبيعة الحال مصلحته هو، مادية أو غير ذلك، على ألا تكون الأولوية لهذه المصلحة الخاصة فقط.
ففي عالم الطب والتداوي مثلاً، من المستحيل أن نطلب أن يتخلى الطبيب عن هدفه الخاص، خاصة بعد سنوات من العمل المضني حصل بعدها على إجازته التي يمارس بها العمل، شريطة ألا تتحول لمصلحته الخاصة كل أهدافه التي من أهمها مساعدة الناس والتغلب على آلامهم ومحاربة الأمراض.. نعم من حق الطبيب أن يحدد لنفسه أجراً يتناسب مع ما يمتلكه من علم وخبرة. أو للمستشفى أن يفرض رسوماً على المرضى مقابل الخدمة التي يقدمها للمريض، غير أن كل ذلك لابد أن يرتبط بالإحساس بظروف هذا المريض وخاصة المادية منها. هذا الإحساس لا يوجد إلا إذا كان الهدف الأسمى واضحاً وحاضراً لكل من يؤدي عملاً، يهدف به ليس فقط لتحقيق المصلحة الخاصة والعامة ويعود بالنفع عليه وعلى من حوله. مدركاً أن رسالته لا تقتصر على تحقيق المنفعة الخاصة له، بل أن يكون علمه نافعاً له وللمؤمنين.
ونأتي إلى التعليم فأتذكر مقولة أحد أبناء عمومتي وهو السيد عباس شطا رحمه الله، حين أنهت ابنته السيدة رجاء شطا دراستها الثانوية وجاء وقت اختيار التخصص الجامعي، إذ قال لها: اسلكي مجال التدريس فهذه مهنة وعمل آبائك وأجدادك من علماء الحرم المكي الشريف، وحين قالت إن التدريس هذه الأيام له أجر محدد على عكس ما قام به الأجداد ابتغاءً لوجه الله تعالى، أجابها أن لكل زمان ظروفه ومعطياته، ولا بأس بأخذ أجر عن العلم الذي تقدمينه للآخرين.. على ألا ننسى الهدف الأسمى.. خلال عملنا.. وأن تكون غايتنا نشر العلم وتحقيق الفائدة العامة ونفع العباد. وأن تعطي علمك بلا حدود فلا تحبسيه عن أي إنسان وفي هذا تحقيق للهدف الأسمى واقتداء بالمعلم الأول سيد الخلق عليه الصلاة والسلام.
ما أردت قوله مما سبق أنه في عصرنا هذا وضرورة التكسب لتسيير عجلة الحياة، إلا أنه لابد من استحضار الأهداف العليا السامية ليس في مجال الطب أو التعليم وحسب، وإنما في كل مجال وعمل نقوم به، إذ إن لكل مهنة وعمل وتجارة وطب وتعليم.. إلخ آدابها وأخلاقياتها.. الإتقان والإخلاص والوضوح وعدم التغرير أو الغبن.. البذل.. الإيثار..
وفوق ذلك كله الرحمة وابتغاء وجه الله، وأن يسير الهدفان (تحقيق المصلحة الخاصة والمصلحة العامة) في خطين متوازيين.. «ولكم في رسول الله أسوة حسنة».. عسى الله أن ينفعنا بما تعلمناه من كتابه الكريم وسنة رسوله العظيم صلى الله عليه وسلم.