تابعت الكترونياً صفحــة اخبـــار الحوادث في «عكاظ»، بحكم ان بعد المسافة، لا يساعد على تصفح النسخة الورقية، ولفت نظري الانتحار بين الشباب، فواحد ينتحر شنقاً، وثان بالقفز من الدور الثاني عشر، وثالث في موقع محطة العربية، يدخل الى محل بيع لحوم في عتيقة بالرياض، ويضع راسه امام منشار الجزار الاتوماتيكي لينهي حياته، اساليب الانتحار في المجتمع متنوعة، وقرأت ان الناس في الصين ينتحرون بالملح الابيض، وفي اليمن بالعيارات النارية.
الرأي الشـــرعي، وهو للشيـــخ عبدالمحسن العبيكان، ونشر في هذه الجريدة، يُدخل المسألة في دائرة الوسوسـات النفسيـــة والادمان والميتافيزيقيا، اوبتعبير الشيخ، الخلل العقلي والمخدرات والسحـــر، ولا ادري لماذا اتذكر، مع الكلمة الاخيـرة، جملة راقصة وخفيفــة الظل للاستاذ هاني نقشبندي، الكاتب والمختلس المعروف، اقصد صاحب رواية «اختلاس»، قال فيها ان الجن بكتيريا...!
مرة اخــــرى، الانتحـــــار لـه ادبيــات وحــوله نقاشـــات كثيـــرة، خصــوصاً انتحـار اصحاب الاعاقات الذهنية والجســــدية الحـــادة، المــرتب باشــراف طبيب، وطريقة التعامــل الاعـــلامي معهــا، او ما يعـــرف غربياً بـ«اليوثانيجيا» اي القتـــل الرحيم، والممارسة بدأت بعد ان اقنع الطبيب الامريكي هاري هاسيلدن، في عام 1915، عـــائلة طفـل ولد باعاقات متعددة، برفض اجراء عملية لانقاذ حياته، وتركه يموت بسلام، ونشرت جريدة هيرستس شيكاغو امريكان المسائية، بأن هاسيلدن يرى في التخلص من الاطفال المصابين بتشوهات جسدية او عقلية معقدة، راحة لهم، والفكرة عرض لها مارتن بيرنك في كتابه: طائر اللقلق الاسود (1996).
طبعاً الجريدة

هل يصبح الحق بالموت مكفولاً لكل
من يعتبره الغرب غير جدير بالحياة؟

عنـــدما تعرض وجهة نظر دون تفنيـد، او رؤية مقابلة لها، فهذا يعني انها توافق عليها، ولو جزئياً، والقضية الاشهر في هذا المجال، للطبيب جاك كيفوركيان، الذي اعترف في نوفمبر 1998، بانه ساعد مئة وثلاثين شخصــاً على الانتحار، وقــالت جريدة الغارديان البريطانية في ذلك الوقت، بأن الانتحار خدمة مرغوبة، وعرض برنامج «ستون دقيقة» الامريكي، شريطاً مصوراً لحالة قتل تمت بمعرفة كيفوركيان، قبل ان يدان في 1999 بتهمة القتل العمد، ويحكم عليه بعقوبة تتراوح بين 15 و25 سنة، ووفق هوليود ريبورتر، في عام 2005، فإن هناك فيلماً سينتج عن جاك، وتخرجه باربرا كوتل.
حتى الاطباء مؤيدون، فقد نشرت بريتش ميدكل جورنال، او الدورية الطبية البريطانية، تقريراً يقول بأن مايقرب من 50 في المئة بين مئتين واثنين وسبعين طبياً بريطانياً، يوافقون على انتحار حالات الاعاقة الصعبة، اذا كان التصرف مقبولاً قانوناً، وسمحت السلطـــات الاسترالية باستخدام الحقن المميتة، مع كبار السن الذين يعانون من السرطان، رغم معارضة الفاتيكان، والدستور الامريكي لا يجيز الانتحار او انهاء الحياة، بمساعدة طبيب ولا يمنعــــه، تمـــاماً مثلما ان الاعـــلام الامريكي لا يفــــرق بين الحركة المناهضة للانتحار الطبي «نوت ديد يت» والحركة المعارضة للاجهاض «رايت تو لايف».
اما الاعلام البريطاني فيتعاطف مع قضايا القتل الرحيم، لمن يعانون من مشاكل عقلية او جسدية خطيرة، ومنها الانحيــــاز الى موقف «اني ليندسيل» التي حـــاولت انتــــزاع قــرار من المحكمة يعطيها الحق في انهاء حياتها، وقضية الطفل البريطــاني توماس كريــدون (سنتان) الذي كان كفيفـــاً، أصم، يعاني نوبات صرع ولديه تلف في المخ، وطلبت اسرته امراً قضائياً لانهاء حياته، لأن نوعيته ليست جيدة، كما فعل النازيون مع اليهود والغجر واصحاب الاعاقات الاخرى.
اعود الى الشيـــخ العبيكـــان، الذي وضع ضمن تبريراته للانتحار الخلل العقلي، وكأنه يطابق، مفهوم القتل الرحيم، ويعتبر المعاقين ذهنياً لا قيمة لهم، او مخلوقات ناقصة، في تصور مشابه لمدرسة «الايبلزم» اوالتمييز ضد المعاقين، وحول الموضوع كتب بول ميلر (1993) بأن سبب الاختلاف في تصرف المجتمع مع المعاق وغيره، هو ستيغما الاعاقة، وافتراض ان حياة المعاق اقل اهمية، ويضيف، بان التحيز ضد المعاقين يعزز كره الذات، ويؤدى الى الانتحار كخيار موضوعي، وقالت بيث هالر (2000) بأن شؤون المعاقين، لاتفهمها الصحافة ولاتقدمها بصورة سليمة، واكملت بأن الشفقة قد يكون لها تأثير عكسي، كذلك لاحظت الباحثة في اخلاقيـــات الاعلام، ديني إليـوت في: الاعاقة والاعـــلام (1994) بـــان الصحافة تعتبر الاعاقة شذوذاً، وتقدمها في قوالب سلبية، وسجلت الكاتبة الكفيفة، المهتمة بشؤون المعاقين، كيث وولف (1997) خوفها من ان يصبــح الحق في الموت مكفولاً ليس للمعاقين، وانما لكل من يعتقد المجتمع انه لا يستحق الحياة.
يقول تود غيتلن في كتابه: العالم كله يشاهد (1980) بأن اساليب تأطير الاعلام لأية قضية، تكشف الاعتقادات المسيطرة في لا وعي المجتمع .
وأرى أن بعض التبريرات احياناً تضر ولا تنفع...!
binsaudb@ yahoo.com