قضية للنقاش
المواطنون يطالبون باستئصال خطر السيول.. والمسؤولون: العقوم سبب المشكلة
الحلول المؤقتة... لا تكفي
عبده علواني (جازان)- علي عماشي (بيش)عبدالعزيز معافا (ضمد)- ابراهيم المتحمي ,خالد الفقيه (القنفذة)
في كل عام تنفتح ستارة المأساة عن هجمة السيول.. هجمة امواجها متلاطمة تدمي القلوب وتتجسد طقوسها على مسرح تضاريس بعض المدن والقرى بدءا من الشريط الحدودي بمنطقة جازان ومرورا بقرى خط الساحل في منطقة مكة المكرمة وتلك الواقعة على ضفاف الاودية والشعاب في منطقة عسير. ولان المواجع الموسمية للسيول اصبحت نسخة مكررة فإن الكثير من المتضررين اصبحوا يتعايشون مع الفواجع ويستعدون لها وهم يضعون اياديهم على صدورهم دون ان يتمكنوا من كبح جماح المياه الهائجة التي تتخطى «العقوم» وتجرف الطرقات والمزارع وتتلف المحاصيل وتحل ضيفا ثقيلا داخل المساكن وخارجها وقد يستمر ركودها لفترات طويلة الامر الذي يتسبب في انتشار الذباب والباعوض.
مع خرير المياه المندفعة من المناطق المرتفعة نحو الاودية والقرى والمدن فان الحلول المؤقتة لتضميد جراح المتضررين تأتي ثمارها.. ولكن السؤال «القضية» الذي يعلن عن نفسه «كجلمود صخر حطه السيل من علِّ» يتمثل في كيفية ايجاد حلول جذرية لمأساة السيول وهل ثمة طريقة ناجعة لكبح جماحها وتجفيف اثارها المدمرة قبل ان تصل الى القرى والمدن خاصة ان جميع الحلول يتنهي مفعولها وتجرفها «دوامات» الروتين بعد ان تجف مياه السيول وتصبح الاودية والشعاب خالية من خرير المياه.. هنا مسؤولون ومواطنون يتحدثون عن افضل الاليات لقطع دابر السيول وفي مخاطرها ووضع الاليات الكفيلة بايقاف هذا المسلسل «النمطي» الذي يتدفق بقوة وعن مرئياتهم لعبور مثل هذه المأساة وعن ما اذا كانت الاختلافات والمشاكل بين الجيران من المزارعين تؤدي الى تخطى السيول حدود المزارع وتحاصر المدن والقرى.
هجمة السيل
محمد السلامي (60) عاما احد المزارعين في قرية بمحافظة القنفذة ليس له دخل سوى ما تجود به مزرعته الصغيرة الواقعة على ضفاف احد الاودية ولكن قبيل الحصاد في كل عام يجد نفسه في مواجهة هجمة السيل الذي يتلف محصول الذرة والدخن عن بكرة ابيه وعن ذلك يقول: قبل اكثر من سنتين ادعى احد جيراننا من المزارعين ان العقم الترابي الموجود في الوادي يمنع من وصول المياه الى مزرعته وبادر بفتحه مما ادى الى غرق مزرعتي وقد تكرر هذا الامر لمدة سنتين وقدمت ضده شكوى واجتمع «الاجاويد» من اعيان القرية وتم تسويق الموضوع بحفر جدول من السيل للوصول الى مزرعته.
جرف المزارع
ام عبدالعزيز ارملة لها خمسة ابناء اكبرهم عمره 17 عاما ترك لها زوجها مزرعة في احدى قرى الساحل وفي كل عام تداهم السيول المزرعة وتتلف محصولها.
تقول ام عبدالعزيز في العام الماضي استلفت اكثر من (10) الاف ريالا لسداد ثمن «التقاوي» ودفع رواتب العمال وكنت اتوقع ان يكون المحصول جيدا ولكن السيل العام خيب توقعاتي حينما داهمنا ذات ليلة ظلماء وجرف المزرعة وتلاشت معالمها وتكرر السيناريو هذا العام ولكن بصورة اقل من العام الذي سبق.
واضافت ان بناء البعض منازلهم في مجاري السيول واقامة العقوم هي السبب الرئيسي في تحويل مجرى المياه وتسببها في ضرر الاخرين.
انشاء السدود
ويعتقد المزارع حسن بلخير ان افضل وسيلة لقطع خطر السيول في الاماكن التي تشهد مآسي سنويا، وذلك لحماية المدن والقرى وبالتالي ضغط المياه للاستفادة منها في مواسم الجفاف.
حصاد الارواح
وليست عملية جرف المزارع والطرق واتلاف المحاصيل هي المآسي الوحيدة التي تتسبب فيها السيول وانما تأتي فواجع حصد الارواح وحالات الغرق وعزل القرى من اكثر المآسي للسيول في كل عام.
لايكاد مشهور القرني يصدق انه لايزال على قيد الحياة بعد ان جرف سيل عام في منطقة الليث اثناء محاولته عبور احد الاودية لحضور حفل زواج احد اصدقائه.
يقول القرني: كان الماء جميلا وليس هناك ما يبين عن وجود سيل او اية كارثة طبيعية وكان مذياع السيارة هو الذي يسامرني وفجأة سمعت صوت وشوشه حادة فاعتقدت في البداية ان الريح تعبث بالاشجار الجافة ولكن خابت توقعاتي حيث داهمني السيل وجرفني مع سيارتي وبصعوبة بالغة تمكنت من فتح باب السيارة والخروج وامسكت باحدى الاشجار وتعرضت لاصابات في انحاء جسمي من قبل الاخشاب والحجارة التي كانت في مقدمة السيل وتم اسعافي بواسطة فرقة للدفاع المدني.
ضحايا السيول
ويحكي محمد الذبياني قصة مأساوية لمجموعة من العمال الاسيويين كانوا في حوض وانيت في احد الاودية وفجأة داهمهم السيل من اعلى الجبل وجرف خمسة منهم وعثر عليهم على مسافة عدة كيلومترات من المصب.
لغة مأساوية
واذا كانت قصص السيول القاتلة لاتزال مرتسمة في الذاكرة لبعض اهالي القرى في المنطقة الجنوبية فماهي مقترحات الاهالي المتضررين لابعاد خطرها وترويض هيجانها الموسمي.
ابراهيم حسن الفقيه من اهالي القنفذة قال ان السيول اصبحت بمثابة اللغة المأساوية في قرى المحافظة لكثرة الاودية وان الوقت قد حان من اجل بناء سدود حجرية تحتجز المياه بعيدا عن القرى والهجر والمدن والمزارع.
عقوم ترابية
وقال كل من حسن الزيلعي ونوح المرحبي ان مخاطر السيول تكمن في ان «العقوم» الترابية التي يقوم البعض بانشائها عشوائيا تؤدي الى تغيير مسار الوادي الى المنازل، وهذا الخطر يتكرر في كل موسم مما يستدعي الامر ايجاد سدود تكبح خطر هذا الهاجس الذي يتلف المحاصيل ويحاصر القرى.
سد وادي حلي
ووفقا لكل من محمد عمر العلوي وحسين الغبيشي وسالم الكيادي ومحمد السلامي ان المعاناة مع السيول مستمرة في كل عام وان الضرورة تقضي تسريع انشاء سد وادي حلي لحماية المزارعين وممتلكاتهم حيث مضى على بداية انشاء المشروع ثلاث سنوات ولايزال «محلك سر» واضافوا ان بعض المواطنين في بلدة القوز قاموا بعمل عقوم ترابية لسقي مزارعهم وتحويل مسار السيول ولكن الامر تطور الى ابعد من ذلك عندما غمرت المياه اسفل الطريق الدولي وادت الى توقف الحركة لعدة ساعات وطالبوا بضرورة ازالة العقوم ومحاسبة المتسببين في ذلك.
حلول جذرية
وفي قرى منطقة جازان لايختلف الامر عن قرى محافظة القنفذة حيث طالب العديد من الاهالي المتضررين من الجهات ذات العلاقة بايجاد حلول جذرية لمآساتهم مع السيول بدلا من الحلول الوقتية التي هي من- وجهة نظرهم- عبارة عن كبسولات سرعان مايتلاشى مفعولها وقال كل من محمد مزيد عواجي وحربان ال حيدر وحسين مجرشي ان سيول وادي ليه ووادي خلب تداهم في كل عام القرى وتحيل حياة السكان الى سلسلة من الاحزان والمآسي حيث تعيق الطلاب من الوصول الى مدارسهم وتقطع الطرق الى المستشفيات لذا فان الضرورة تقتضي ايجاد طرق وجسور على الوصلات الزراعية لابعاد مخاطر السيول.
قرى على ضفاف الخطر
وفي بيش حيث ان احاديث مخاطر السيول مادة خصبة في المجالس فان تقارير اللجان المختصة تشير الى ان هناك (200) قرية في المنطقة لازالت على ضفاف الخطر.
وقال ابراهيم حسن قصادي ان السيول تنحرف عن مجراها الطبيعي بسبب عدم وجود صيانة دورية للعبارات واضاف ان سيول عام 1424 كانت هي الاسوأ في تاريخ المنطقة حيث عزلت القرى والسكان واضطرت (400) اسرة لترك منازلها الى قرى ومدن امنة.
ويرى عبدالرحمن شماخي ان قيام البعض بتحويل مجرى مياه السيول ببناء العقوم الترابية تعد من اخطر الاشياء التي تتسبب في غرق الضحايا وتدمير الممتلكات وقال ان تعقب امثال هؤلاء من الاهمية بمكان لانهم يتصرفون من واقع مصلحتهم وينسون الاخرين.
ووفقا لكل من محمد شماخي ويحيى مجرشي ان انشاء السدود وتوعية المزارعين بعدم بناء العقوم وسيلة للقضاء على مخاطر السيول.
طعم المرارة
وفي ضمد يطول الحديث عن المرارة التي تخلفها السيول فالكل يضع يديه على قلبه خوفا من هجمة المياه الجارفة خاصة ان وادي ضمد يعتبر من الاودية الكبرى التي يخلف وراءه في كل عام عددا من الضحايا وذكر عدد من المواطنين ان الحلول التي وضعتها الجهات المختصة تتمثل في نقل القرى التي تتعرض للخطر مثل الجهو والحرجة الى مكان امن اضافة الى انشاء السدود التي تحمي القرى المعرضة للكوارث.
وقال حسن علوان ان السيول في كل عام تدمر منازل الاهالي وان الوقت قد حان لنقل اهالي قرية الجهو الى موقع مرتفع.
غول موسمي
ومن جانبه قال احمد جعيدي ان الحلول الوقتية لعلاج مخاطر السيول لا تجدي اذ لابد من وضع حلول جذرية لهذا «الغول» الموسمي.
وفي سياق ذي علاقة بخطر السيول فإن الحلول العاجلة التي اقرتها الجهات المختصة في منطقة جازان تتضمن عدم رفع مستوى العقوم حتى لاتتحول المياه الى المناطق المنخفضة كما ان وزارة الشؤون البلدية والقروية كانت قد وضعت حلولا عاجلة لقريتي المحباسة وحلة القيوس وذلك بتنفيذ سد لدرء مخاطر السيول واذا كان اهالي القرى المتضررين من السيول يرون ان افضل وسيلة لقطع مخاطرها يتمثل في بناء السدود وصيانة العبارات وتنظيف احواض مجاري المياه ومنع اقامة العقوم الترابية فماذا يقول المسؤولون عن افضل السبل لايجاد علاج ناجح لهذا الخطر السنوي.
مصدات الخطر
رئيس بلدية القنفذة المهندس حامد عوجان اوضح انه تمت دراسة وضع قرى الاحسبة والوطأة والبقاقير واليعاقيب لعمل مصدات لها تحميها من خطر السيول وفي انتظار الاعتمادات اللازمة وفرق الرش وردم المستنقعات لدرء خطر انتشار الباعوض.
ومن جانبه قال رئيس بلدية صامطة المهندس عبدالله الحربي ان هناك العديد من مشاريع درء مخاطر السيول في كل من الجرادية واللقية وشعب ال دهمي والقفل من اجل ازالة معاناة الاهالي من مخاطر السيول ولان ادارات النقل من ضمن مهامها صيانة الجسور والعبارات فوق مجاري الاودية فقد اوضح المهندس جميل حوياني من ادارة النقل بجازان ان هناك العديد من الجسور في القطاع الجنوبي من منطقة جازان لتسهيل الحركة ومساعدة المواطنين في العبور من مخاطر السيول وان هناك دراسة لتنفيذ جسر على وادي ليث،
معاينة العقوم
وقال محافظ القنفذة عبدالله مساعد القناوي انه تم تشكيل لجنة من الجهات ذات العلاقة لمعاينة العقوم الترابية بالقوز وازالة مايثبت خطره على حياة المواطنين وممتلكاتهم.
وفي سياق الحماية المدنية من مخاطر السيول قال العقيد حمود الحساني مدير عام الدفاع المدني بجازان ان هناك خططا مدروسة لمواجهة كوارث السيول وقد تم دعم المراكز بالعديد من الاليات لهذا الغرض واستطرد ان هناك دوريات تقوم بمهام التوعية اثناء جريان السيول خاصة في القرى البعيدة مشيرا الى ان الدفاع المدني ساهم بجهود ملموسة في اغاثة المتضررين من السيول.
حلول عاجلة
وفي ذات السياق قال مدير الدفاع المدني في محافظة القنفذة العقيد حسن علي القفيلي ان الوضع دائما يحتاج الى الحلول العاجلة ولايمكن الاستغناء عنها حيث ان كل عام يختلف عن العام الذي قبله من حيث كمية الامطار وحجم الوارد من مياه السيول وكذلك العقوم الترابية التي يضعها البعض بجوار مزارعهم وتابع ان الحلول الجذرية تقوم على اليات الحلول المؤقتة حيث تتم دراسة كل حالة على حدة والرفع عنها من اللجنة الفرعية بالمحافظة وبعد دراستها ترفع اللجنة مرئياتها الى سمو امير منطقة مكة المكرمة لاتخاذ الاجراءات المناسبة.
وتابع ان هذا العام ظهرت مشكلة جديدة في كل من خميس حرب وسبت الجاره حيث ان الطريق المسفلت يحتاج الى عبارات بدل المزلقان الذي وضعته الشركة لانه خطر على العابرين ولايفي بالغرض حيث لابد من تنفيذ جسور على الوادي وفيما اذا كان يعتقد ان السدود هي الحل الامثل لدرء مخاطر السيول قال ان السدودتكلفتها باهظة اضافة الى ان محافظة القنفذة بها (10) اودية ضخمة وان اصحاب المزارع لايفضلون السدود خاصة الذين تقع مزارعهم على الساحل لان معظمهم يعمل بالرعي والزراعة معا.ونظرا لان عيون المتضررين معلقة في السدود التي تؤمن مخزونا كبيرا من المياه وتساهم في حمايتهم من مخاطر جرف المياه، فان الاحصائيات تشير الى ان حجم وارد المياه للسيول في المملكة يقدر سنويا بـ(2045) مليون متر مكعب (60)% منها في المنطقة الجنوبية الغربية و(10)% في منطقة جبال طويق بمنطقة الرياض.
أضف تعليقك