هل اختفى التراحم بين الناس، أم أنه أوشك أن يختفي؟ لماذا لم يعد يشعر المسلم بآلام أخيه المسلم؟.. لماذا تغلبت مشاعر الأنا على ما سواها فأصبح كل إنسان متمركزاً حول ذاته؟، سعيه واهتمامه فقط لما يحقق له الرضا وحده. همه الوحيد أن يشبع ذاته ويرضي نفسه، دون الالتفات أو الاهتمام بما قد يحدث للآخرين من حوله خلال سعيه لتحقيق متطلبات ذاته ورغباتها.
وفي حياتنا اليوم تتعدد وتتنوع مثل هذه النماذج في مجالات كثيرة، فلو نظرنا وتأملنا ما نعيشه هذه الأيام سنجدهم حولنا. فهذا نموذج الذين نصبوا فخاخ المال ليقع فيها طالبوه، ممن قست عليهم ظروف الحياة، ورأوا وسمعوا عن مغامرة أو لعبة جديدة، يخرج الكل منها فائزاً، كل ما عليهم أن يحضروا المال الذي يلعبون به لعبة الأسهم وبيه هنا وشراء هنا وأنت الفائز.
فدخل فيها كل من يعرف وكل من لا يعرف، ممن يملك، ومن لا يملك. وهذا الأخير لجأ إلى العديد من الأساليب كالاقتراض أو رهن ما يملك، أو حتى بيع بيته الذي يؤويه وأهله، غير أن أساتذة اللعب جمعوا كل تلك الأموال وذهبوا، طاروا بعيداً بأحلام وآمال البسطاء،

حق الفرد أن يسعى لمصالحه
لكن ليس بتحطيم الآخرين

وأيضاً بأموالهم البسيطة، ولا حتى شعارات العالم الجديد «القانون لا يحمي المغفلين»، «خذ الفلوس وأجرِ»، أما الذين أغرتهم أنهار الأموال المتدفقة والذين غرقوا فيها، فهم لا يجيدون السباحة، (ولم يجدوا واحداً.. أي واحد)- يمد لهم يده لا ليعلمهم أو يوجههم، غرقوا ووصلوا إلى القاع، وطارت أحلامهم، أموالهم، أوهامهم مع من لم يرمش لهم جفن وهم يشاهدونهم يغيبون في القاع.
قضايا النسب نموذج آخر لانعدام التراحم: الرحمة أو التراحم، أقول قضايا وليست قضية واحدة، التفريق بين الزوجين لعدم تكافؤ النسب، ليست فاطمة وحدها، أتذكرونها؟ فاطمة التي لا تزال في السجن لرفضها ترك زوجها والعودة إلى أهلها بعدما صدر حكم يفرق بينها وبين زوجها، ويُشتت أطفالها.
وحين تناولت موضوعها في وقت سابق قلت إنني أخشى أن يفتح هذا الحكم الباب للكثيرين. وصح ما توقعت. توالى رفع قضايا أخرى، ليست كلها من أهل الزوجة، بل كان من القبيلة كلها!!
ونعلم أن أساس كل الأحكام المشابهة هو العرف وليس الشرع، أي العرف الذي يحقق الرضا لقلوب من طالبوا بهذا التفريق!
نموذج ونموذج ونموذج.. كلها تهدف إلى مصلحة خاصة- وإلى إرضاء وإشباع ذاتية الأفراد، وحتى بعد تمييز الحكم لصالح العرف فسنظل غير راضين أو موافقين، ولا يملك أي إنسان أن يعترض على أن يحقق كل فرد راحته وأن يعمل على إرضاء ذاته، من حقه أن «يأخذ الفلوس ويجري»، لكن ليس من حقه أن يدوس غيره ويحطمه وهو يجري. من حق كل فئة أن تطبق ما تعارفت عليه من قيم وعادات على ألا يقع ضرر، أي ضرر على أي أحد «لا ضرر ولا ضرار».
ورأينا في النموذجين السابقين ما فعله هوامير المال وحيتانه بالبسطاء، بأساليب التغرير والتحايل ليشبعوا حاجتهم في جمع المال والثراء السريع، ورأينا حكماً عرفياً فرق شمل أسرتين وشتت أطفالها ليس لهدف أو غاية مفهومة، بل أيضاً لإرضاء مشاعر خاصة ذاتية دون الاهتمام لمشاعر المتضررين التي ليس لها مكان في الحساب.
ما مكان الرحمة المشتقة من اسم الله الرحمن الرحيم؟ أين معنى «نبي الرحمة» الذي قال عنه ربه }وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين|..
أين مفهوم الآية: }ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل|، أين معنى الحديث الشريف: «من لا يرحم لا يُرحم»، وقوله تعالى: }من يتق الله يجعل له مخرجاً|، و}ليخش الذين تركوا من خلفهم ذرية ضعافاً خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولاً سديداً|.