قارنت جريدة «ايرش نيوز» الكاثوليكية، في التسعينــات، بين صراع الكـــاثوليك والبروتستانت في ايرلندا الشمالية، ومواجهات الفلسطينيين والاسرائيليين المتزامنة معها في قطاع غزة، ومقارنة «ايرش نيوز» تخص مســـيرة جماعة الاورنج البروتستــاتية، التي تنظيم سنـــوياً في 12 يوليــو، مروراً بالمناطق الكاثوليكية، ويراها البروتستانت مناسبة للاحتفال بالهوية، بينما الكاثــوليك يعتبرونها اهانة، لانها تستعيـد انتصار الملك الانجليزي البروتستانتي وليام (ملك الاورنج) على الكاثوليكي جيمس الثاني في سنة 1690، والمعروف ان الكاثوليك الشمالييـن اقليــــة وولاءهم للجارة الايرلندية الجنوبيــة، والبـروتستانت محسوبون على المملكة المتحدة، وراسهـا البروتستانتي الملكة اليزابيث الثانية، ويشكلون غالبية اعضاء الحكومة التابعة للتاج البريطاني، والاحتفالية مهمة جداً للبـــروتستانت، لــدرجة ان قتل الاخــوة الكـاثوليك ريتشارد ومارك وجيسون كوين صباح 12 يوليو 1998، واحتمال تورط بروتستانت فيه، لم يغير في برنامجها، او على الاقل يعدل مسارها المار بمناطق الكاثوليك، ولعل الامور هدأت قليلاً بعد اتفاقية الجمعة العظيمة في تلك السنة.
حتى نعرف الطريقة التي تتعامل بها الصحافة الغربية وربما العربية، مع اخبار الكوارث والصراعات، لا بد وان نلتفت الى رأي غـــادي ولفسفيلـــد واخـرون(2000) الذي قال بان هناك نموذجان يوظفـــان اعلامياً في هذه الاخبار، الأول نموذج القـــانون والنظـــام، ويكـــون باعتبار احد اطراف الصراع، مُهدد للقانون والنظام العام (وجهة النظر الاسرائيلية) والثاني نموذج الظلم والتحدي، ويصــــور فيه طــرف على انه ضحية للظلم، ومصمم على الـــوقوف والمطالبة بحقـوقه (وجهة النظر الفلسطينية) مع ملاحظة ان التناوب وارد بين النموذجين

أساليب السرد المتصاعد إخبارياً
تسهل استشراف التطورات الحدثية

حسب الأحوال.
كما تتأثر تغطيات اعلام الصراعات، بالعلاقة بينه وبين الحكومات، وبالروتين والممارسات الصحافية، اي المصالح والصورة النمطية المعتادة، والفكرة الاولى تناولها ادوارد هيرمان ونعوم تشومسكي في كتاب: صناعة الاجماع (1998)، دوغلاس كيلنر في: حرب الخليج التلفزيونية (1992)، تامر ليبيس في: حربنا وحربهم (1992) وغريغ فايلـــو وغريغ مكلوغلن في: الاعلام البريطاني وحرب الخليج، اما الثانيـــة فعـــرض لها كيفن ويليامز في: شيء اهم من الحقيقة (1992) وغادي ولفسفيلد في: التسويق الإعلامي للسلام (1997).
كذلك تنحاز القوالب الاعلامية للصراع، الى العبارات الضخمة الرنانة، في ممارسة اقرب الى الخطابة السياسية من بساطة الصحافة، وكل اطار للمعالجة الاعلامية يعزز بسلسلة من السياقات، ثمثل في مجموعها، ما اسماه وليم غامسون وكاثرين لاش (1983) بـ«المفســرات»، وحولها كتب هايدن وايت (1984) بأن الاحداث قابلة للحبك بطرق مختلفة، لانها في الواقع، ليست كوميدية، تراجيدية او سخيفة بالكامل، والراوي هو الذي يضعها في سياق سردي محدد.
بالتـالي فــــأن دور الصحافـــي في اعطاء هوية للتغطيـــة او الخبر، لا يختلف عن دور الروائي او كاتب الدراما، وحاجته لاسترتيجية يتحرك في حدودها قائمة، وقد يشطح ويبحر في خيالات لا اساس لها، مع هذا ترى كاثرين أولســــون (1995) بان الصحــافي لايتعمد حشر اخباره في تعريفــات مختارة سلفاً، والعملية، ان حدثت، تتم لا ارادياً، ثم تعــــود وتضيــف، بان استخـــدام اساليب السرد المتصـــاعد في تقارير الاخبار، يسهل عملية التنبــؤ بالتطورات، بما يناسب الافكار والاعتبارات الثقافية للقراء والمشاهدين، وان تكون ردات فعل الشخصيات الرئيسية، ملائمة لتصورات الجماهير العاطفية(الانفعالية) عن قصة الحدث. بمعني ان دراما الخبر عندما تبدأ يشعر الصحافي بأنه ملزم باشباع توقعات معينة قبل غيرها، والامر ينطبق على الدراما العربية في فلسطين، العراق ولبنان.
ما يستحق التأمل فعلاً، هو رؤية جون غالتنغ (1997) للموضوع، حيث قال في تجمع دولي، ضم صحافيين واكاديميين، بأن اخبار الصراع، تدار باسلوب المعسكرين، او بكلماته، نحن والآخر، والربح والخسارة، وتفتـرض بان الســـلام لا يـــاتي الا بالانتصـــار، والجديد انه يقترح، نموذج لصحافة تعمل باتجاه الربح المشترك، وتستخدم الوسائل السلمية والحلول الذكية.
لكن الحقيقة، مع الاحترام والتقدير لرأي غالتنغ، تقول بأن معظم الاعلاميين، يوظفون صيغ سردية، تطرد كل احتمــالات الحلــول التوفيقية، وتغلق الابــواب الا امام وجهات النظر، المؤكده على رأي المحطة او الجريدة وجمهورها، ما يعني ان الوصول الى مشهد النجاحات المشتركة في اي صراع، سواء أكان سيــــاسي او اجتماعي، يشترط مناقشة جادة، لسلطة السرد التصاعدي او «التصعيدي»، وسلطة الثقافة السياسية والمهنية التي يعمل داخلها الصحافيين.
* الزميلة الكريمة انشراح سعدي، الصحافية والقاصة الجزائرية، أرسلت، مشكورة، ايميلاً وقالت بأنها قرأت بعض مقـــالاتي في «عكاظ» وراقت لها، وسألت عن معنى اسمي (بندر)، اجبت بأن الاسم التبس عليها، ويوجد حرف زائد، وان بندر يعني المدينة، وربمــا كان اصله فارسي، ومعنــاه ليس لطيفاً عند الهنود، اكتب لأن الزميلة ذكرت بأن الرد وصلها بلغة غير مفهومة، وآمل ان تقرأه منشوراً.
binsaudb@ yahoo.com