قابلت الامير محمد بن خالد العبدالله الفيصل، رئيس مجموعة الفيصلية، في مناسبة السنة الماضية، وقال لي بأن المتابع للجــرايد في هذه الايام يهتــم بالرأي، لأن الاخبار تُعرف، وتنقلها المحطات التلفزيونية، قبل نشرها في الجريدة، وكلام الامير حقيقي جداً، و مهم في نفس الوقت، الا ان تطبيقاته في الواقع الصحافي محدودة، لو راعينا ان الرأي ليس مقيداً باصحاب الزاويا اليومية او الاسبوعية، وانما مفتوح، وهو الأهم، لقراء الجريدة الاقرب والاكثر احساساً بقضايا المجتمع وهمومه من غيرهم.
فقد اشــارت احصـــائيات المقــروئية في الصحـافة الامريكية، الى ان صفحات القراء لها شعبية مرتفعة، مقارنة بالابواب الاخرى، وقال ارنست هيندس (1994) بأن نصف الجمهور الصحافي في الولايات المتحدة يهتم بها. الا ان الصحافة المكتـــوبة لا تتعامل بمبـــدأ العرض والطلب مع الرسائل، على سبيل المثال، كتب بيل ريدر(2001) بأن جريدة ذي نيويورك تايمز، تنشر اقل من ستة في المئة، من مجموع الرسائل التي تصلها، مع ان كاريــن واليورغنسن(2001) اكدت بأن صفحات القـــراء، مكان مهم يتشكل فيه الرأي العام، و موقف فلتر الرسائل، يعززه وجود اعتقاد بين اساتذة الصحافة، او وفق ما قاله دايفيد غراي وتريفور براون (1970) بأن رسائل القــــراء، تقدم صورة ضبــــابية وغير واضحة عن الرأي العام، لأن كتاب الرسائل لا يمثلـــون اطياف المجتمع. هذه الافكار المنحازة، ادت الى قيام حركة صحافة الناس، او الصحافة العامة في امـــريكا، بعــد الانتخابات الرئـــاسية عام

طرح الموضوعات الجديدة الساخنة
ينبغي أن يهتم به القارئ والمحرر

1988، في محـاولة لمعالجة ازمة الثقة بين الصحافة المكتوبة وقرائها، واشراك المجتمعات المحلية في التغطيات الصحافية.
صفحات القراء مفيدة، في ابراز النقاط التي تستحق النقد، وفي وضع تصورات بديلة، للممارسات والقواعد السلوكية الموجودة، كما انها تقدم مثالاً حياً، لاهمية الحوار، وان التمثيل الموضوعي، لا يكون الا بمشاركة الاخرين في المجتمع، ومثل هذا الفهم، يفرض واجباً صعباً، على المؤسسات الصحافية، ليس كسلطة رابعة تراقب عمل الحكومة، وانما كمكان يقول فيه المواطنون كلمتهم، لان ديموقراطية الحوار، بتعبير مايكل شودسون (1997) لا تتحقق الا بالمناقشة الحرة والكاملة في الاماكن غير المريحة.
ثم ان مشاركة القارئ، لا ينبغي حصرها في التعقيبات والردود على مقالات الرأي او الاخبار، على اعتبار ان الدراسات الغربية قالت، و المسالة لا تختلف في العالم العربي، بأن رسائل القراء غالباً ماتشمل تعليقات على اخبار الصفحة الاولى، او افتتاحية الجريدة، وان بعض المحررين لا ينشــرون الا ردود صفحات الرأي، ما يعني ان دور القراء، لا يتعدى حراسة وجهة نظر الجريدة، وتأمين الدعم الكافي لها، مالم نقل بأن بعض الجرايد، لا تلتفت اصلاً الا للرسائل التي تأتي من عناوين تقع ضمن حدود توزيعها.
كذلك قد تحدد الرسائل بعدد كلمات لا يتجاوز ثلاثمائة كلمة او اكثر قليلاً، وفي حالة «يو اس أي توداي» الامريكية مائة كلمة او اقل، ربما في محاولة لتنويع الاسماء والعناوين، او عملاً بفكرة تقول، ان الرسائل القصيـــرة مؤثرة، لان مقروئيتها عالية، او لإدخال لمسات جمالية على الصفحة، او الــزامها بالاســلوب المنمـق والمتكلف، او حتى في افــراد صفــحات للمجاملة، هنـا وهناك، مثلما قــال الاديب ابراهيم بن عبدالرحمــن التركي، فــي كلمـــة عـابرة معه، يؤيده فيها كـــارل هيرنس(1968) الذي لاحظ بأن محرري صفحات القراء، يعطون الافضليــــة لاصحــاب السلطـة والخبــراء، وان تواضــعت مشـــاركاتهم. واضيف ما لم يحولوا كتاباتهم الى صفحات الرأي الرئيسية، بينما الاصل في تخصيص مساحة لرأي القارئ، هو اعطاء الصوت لمن لا يملكونه اولاً.
طرح الموضوعات الجديدة والساخنة للنقاش، يجب ان يكون في دائرة اهتمام المحرر والقارئ، حتى يبتعدا عما وصفه لايرد اندرسون(1990) بالـــرتابة المرهقة لرسائل القراء. فأبواب الرسائل وان توفرت، مهددة بالانقراض، ما لم يتغير مزاجها الثقيل، والقاعدة ان الكتابات خفيفة الظل، الجادة في بعض اجزائها، دون «تبهير» أومبالغات، تحرض قراء جدداً على التفاعل، ودليل نجاح للجريدة، و ان الاختصار المبالغ فيه، قد يضر بالمعنى او يغير مساره احياناً.
بقي ان نعرف بأن مسؤولية تجاهل الرسائل او اهمالها او حبسها في زوايا ضيقة، لا يتحملها، دائماً، محرر صفحات القــراء، لانه ينفــــذ، بوعي او بدون وعي، قواعد لها تاريخها في عالم الصحـــافة، و تحكمه، حسب الهامش، معايير وحسابات تختلف من بلد لآخر، ولا ادري لماذا يحرم القارئ، من مساحة محترمة، يعبر فيه عن رأيه بحرية معقولة، خصوصاً أن ريستو كونيليوس (2001) رأى بأن غياب الحوار الحر والنزيه يفقد الصحافة مبررات وجودها.
binsaudb@ yahoo.com