واجه أول فيلم سينمائي سعودي (كيف الحال) موجة انتقاد شديدة. البعض انتقده من حيث الإخراج.. والبعض تناول ضعف ما يسمى بالحبكة الدرامية.. والبعض تناول أداء الممثلين، حتى إن البعض وصفه بالكارثة وبالسقوط المدوي..!؟ المشكلة أن كل تلك الانتقادات تناولت الفيلم، من وجهة نظر «نخبوية»، ولم يتعرض الفيلم لأي شكل من أشكال العرض الجماهيري، في المجتمع السعودي، حتى يمكن الحكم عليه.. وتقديم نقد متوازنٍ له. من أهم المؤشرات الموضوعية، التي لابد أن تتوفر في نقد أي عمل سينمائي، أداء الفيلم قياساً بحجم ومستوى الإقبال عليه جماهيرياً من خلال دخل شباك التذاكر.
التفرقة التقليدية بين أفلام المهرجانات والأفلام الجماهيرية لم تعد موجودة في صناعة السينما العالمية. أداء أي فيلم، يخضع لحسبة اقتصادية دقيقة، في الأساس تتضح مدى دقتها في موسم عرض الفيلم جماهيرياً في دور العرض... وإن كان، هذا لا يمنع أن يشترك الفيلم في مهرجانات سينمائية وينافس على جوائز سينمائية رفيعة.. وربما يحصد البعض منها.
هنا تكمن مشكلة أول فيلم سعودي. أنه أُنتج وأُخرج، بعيداً عن وجود صالات عرض سينمائية في المملكة، يمكن من خلالها الحكم على جماهيرية الفيلم. كما أن أول فيلم سعودي، وهذه معاناة أخرى لمنتجيه ومخرجه وممثليه، أنه حتى على مستوى مواصفات أفلام المهرجانات، يَخْرُج إلى فراغ ثقافي واجتماعي، ليس له تاريخ سينمائي خاص به. كم لدينا في المملكة من ناقد سينمائي.. وكم لدينا كاتب سيناريو سينمائي.. وكم لدينا منتج أفلام سينمائية سعودي.. وأين هم ممثلونا السينمائيون، غير ممثلي المسلسلات التلفزيونية... بل إنه ليست لدينا ثقافة مسرحية جماهيرية، يمكن أن تخرج من رحمها صناعة سينمائية سعودية، كما هو حال تاريخ السينما في كثير من مجتمعات العالم والمنطقة، التي سبقتنا في مجال الفن السابع.
هناك إذن صعاب حقيقية ثقافية واجتماعية وبنيوية عملت ضد أول فيلم سعودي، وقد تختلف نتيجة تقييمه ولو كانت متوفرة. ولكن، عموماً: هذه هي مشاكل البدايات لأي شيء جديد، خاصة إذا خرج إلى مجتمع لم يعهده، من قبل. ومن منطق أن أي شيء

هوليوود أخطر أسلحة أمريكا
في غزو عقول وقلوب شعوب العالم

له بداية: لا يمكن الاستسلام لإخفاقات البدايات، لعدم مواصلة المسيرة. إخفاقات البدايات هي الأساس المتين لحصد النجاحات مستقبلاً. ليس ذلك على مستوى صناعة أي شيء جديد، مثل السينما، بل على مستوى الخبرات الشخصية. هل كان عبدالحليم حافظ، يمكن أن يستمر فنه إلى ما بعد مماته، لو أنه استسلم لأول لقاء جماهيري له عندما غنى أولى أغنياته «صافيني مرة».. وهذا ينسحب على السيدة أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وفريد الأطرش. بدايات صعبة ومحبطة، مثل هذه، واجهت الكثيرين من عباقرة الفن والأدب وحتى السياسة والعلم، كانت الوقود الذي دفع مسيرة إرثهم العبقري الخالد.
ثم من قال إن الحكم على أي عمل فني أو إبداعي، يقتصر على ظروف عرضه الآنية. كثيرٌ من الأعمال السينمائية، في السينما العربية والعالمية، لم تُعرف مدى قيمتها الفنية والإبداعية، إلا بعد سنين من الحكم عليها بالفشل عند بدايات عرضها وقت خروجها إلى الجماهير وتناول النقاد لتقييمها. كثيرٌ من «كلاسيكيات» السينما العالمية والعربية، لم تُعرف قيمتها الفنية والإبداعية، إلا بعد أجيال من تاريخ إنتاجها وعرضها على الجماهير. في مجال فن الرسم، على سبيل المثال: لم يع أحد عبقرية بيكاسو، إلا بعد رحيله، لتتجاوز أسعار لوحاته أرقاماً فلكية بعشرات الملايين من الدولارات للوحة الواحدة.
هناك من يجادل، أيضاً، بأن التلفزيون يمكن أن يقوم مقام السينما... وبالتالي، لا حاجة للاهتمام بالسينما، لمجرد أن أول فيلم سعودي لم يعجبهم. التلفزيون، لم يكن، أبداً منافساً للسينما. التلفزيون في الولايات المتحدة، رغم إمكاناته الفنية التكنولوجية.. وسهولة وصوله إلى الجمهور، حتى دخل غرف النوم، لم يستطع أن ينافس جماهيرية السينما وانتشارها. هناك جزء من ميزانية الأسرة الأمريكية مخصص للسينما.. الأسرة العادية في الولايات المتحدة تذهب إلى السينما بمعدل مرة أو مرتين شهرياً... ولا يكاد أي فيلم يحظى بجماهيرية كبيرة عند عرضه في دور السينما يَفُوت أسرة أمريكية مشاهدته في فترة عرضه في دور السينما، وليس الانتظار حتى يعرضه التلفزيون. ثم بعيداً عن البعد الترفيهي للسينما، للسينما بعد سياسي مهم تُقاس به قوة الدولة الناعمة، في علاقتها في محيطها الإقليمي والدولي. السينما تعتبر أخطر سلاح للولايات المتحدة تغزو به قلوب وعقول شعوب العالم، الأمر الذي فشلت وتفشل فيه مصادر قوتها العنيفة الكاسحة ومواردها الاقتصادية الممتدة. هوليوود، بالنسبة للسياسة الخارجية الأمريكية، تقوم بدور أخطر وأجدى، في خدمة المصالح الأمريكية، في الخارج، من ذلك الذي تقوم به مؤسسات صناعة السياسة الخارجية الأمريكية التقليدية في واشنطن. السينما الأمريكية لها رواج في الصين وروسيا، بل وفي مجتمعات دول أوروبا الغربية... ناهيك عن ما تتمتع به السينما الأمريكية من إعجاب وإقبال من مجتمعات العالم الثالث. السينما الأمريكية، مع مصادر القوة الناعمة الأمريكية الأخرى، في العلم والتكنولوجيا والفن والأدب... بل وفي صناعة الوجبات السريعة والمرطبات، تمثل أهم دعائم القوة الأمريكية الناعمة، تتسلل منها مؤسسات صناعة السياسة الخارجية لتسويق مواقف وتوجهات السياسة الأمريكية، بطريقة فشلت في ترويجها مصادر القوة العنيفة الاستراتيجية للولايات المتحدة. في منطقتنا: مصر غزت إسرائيل ثقافياً، بالأفلام المصرية... الأمر الذي يشكك في فرضية مخاطر التطبيع مع إسرائيل، بصورة مطلقة.
أيضاً، يتواكب مع هذا البعد السياسي للسينما، بعدٌ تاريخيٌ لا يقل أهمية. السينما تُعتبر ذاكرة الأمة الحية، التي يمكن استرجاعها، في أي وقت، لقياس مدى التطور أو التراجع في مظاهر الحراك السياسي والاجتماعي وقياس محددات التنمية، لأي شعب من الشعوب. لولا تقنية السينما التي تطورت من نهاية القرن التاسع عشر، لم يصل إلينا هذا التجسيد الوثائقي الحي لكثير من أحداث العالم التاريخية المهمة، الذي يتفوق في دقته، ما يُدَوّن عادةً في الكتب التاريخية.
السينما مهمة، لأي مجتمع.. وهي واحدة من أهم مظاهر تقدم المجتمع الثقافي.. ومصادر قوته الناعمة... بل ومظاهر التنمية، عموماً، من الخطر استراتيجياً إهمالها وعدم الاهتمام بها. ما يتردد عن فشل أول فيلم سينمائي سعودي، يجب ألا يثبط الهمم في محاولة الكرة، مرة ومرات... يكفي أن فيلم (كيف الحال) سيدخل التاريخ على أنه أول فيلم سينمائي سعودي، فتح مجال استكشاف إمكانات صناعة السينما الثقافية والاقتصادية والأدبية والاجتماعية والاستراتيجية، للمملكة العربية السعودية.
قد يأتي يوم، وتكون لدينا هوليوود سعودية... مَنْ يدري.