يقول بعض الخبراء إن: العالم العربي – بصفة عامة – هو أكثر المعانين من ذلك التدهور السلبي المزمن (يسمونه التخلف) الذي يعانى منه «الجنوب»... ولأسباب ذاتية وخارجية معروفة. وباستثناء بعض أجزائه، فانه أيضا اقل مناطق العالم احتمالا للنهوض، إن استمر فكره وتكوينه السياسي على ما هو عليه، في أكثر أنحائه. هذا ما يردده معظم الخبراء المعنيين، ويقدمون براهين على ذلك... وليته يصحح، ابتداءً من هذا العام – إن كان بالفعل واقعا... بدل أن يستمر، وتتفاقم تبعاته وآثاره البشعة، عاما بعد عام. ولكن، يتوقع أن يستمر حال العالم النامي – بصفة عامة – على ما هو عليه، في المدى القصير، على الأقل... باعتبار طبيعة «النظام العالمي» الراهن، وتوجهاته الاقتصادية والسياسية القاسية. وكذلك استتباب «العوائق الذاتية» المعروفة، التي يعانى منها جل هذا العالم. وقد شهد العام المنصرم بعض التآكل في قوة القطب الوحيد، المسيطر الآن على مقاليد السياسة الدولية. وربما يكون هذا «الضعف» (النسبي – بالطبع) هو بداية التراجع (الحتمي) في هيمنته (البالغة الانتهازية)... ومؤشراً على تصاعد قوة ونفوذ قوى كبرى قادمة (الصين، روسيا، الاتحاد الأوروبي) قد لا تكون أكثر إنصافا. ومع ذلك، ما زال هذا القطب يقود (عنوة، وبما لديه من قوة) الكثير من توجّهات ومسارات السياسة الدولية الراهنة.
وعندما نركّز على منطقتنا العربية، يمكن القول: إن فهم – وتوقع – ما سيجرى يسهل إن فهمت حقائق وأطر نظرية معينة، نذكر منها: نظريات: الاستعمار الجديد، النظام العالمي الراهن، الحركة الصهيونية، سياسة الولايات المتحدة نحو المنطقة.... الخ. أما «القضايا» الساخنة، والآنية، فستظل –

قابلية الضحايا للذبح هي الحقيقة ..
والطائفية لم تخترعها واشنطن ولا طوكيو

على الأرجح – هي: فلسطين، العراق، سوريا، لبنان، السودان، الصومال، الملف النووي الايرانى، الإصلاح والتنمية، الإرهاب، وما إلى ذلك من قضايا وأحداث... وهذه قضايا يمكن استيعابها - وفهم توجهاتها المستقبلية، بدقة وموضوعية - بفهم تلك الأطر. إذ من العبث فهم مشاكل المنطقة وما ماثلها (فهما صحيحا)دون فهم هذه النظريات (والحقائق)العامة.
نعم، تهل هذه السنة وهى (مع الأسف) حبلى بمشاكل ونكبات وأزمات – إقليمية وعالمية – خطيرة... جَيَّـر معظمها العام المنصرم لهذا العام... فهي أزمات قديمة – جديدة. وتظل المنطقة العربية (الشرق الأوسط) أكثر مناطق العالم سخونة والتهابا، وقابلية للاضطرابات والقلاقل والحروب، في الوقت الحاضر. ولعل أهم ما يجعلها كذلك هو: الأطماع الامبريالية – الصهيونية فيها، وتخبط كثير من أهلها – فكريا وسلوكيا.
ومما يفاقم مشاكل هذه المنطقة، ويضاعف آلامها، السياسات المتربصة التي تتبعها الإدارة الأمريكية الحالية تجاهها... والمتسمة بالظلم والغطرسة، واللامبالاة بحقوق أهل المنطقة الأساسية. إضافة إلى تأييدها المطلق للحركة الصهيونية الإجرامية. وقد أسهم فوز الحزب الديمقراطي الامريكى في انتخابات السلطة التشريعية الأمريكية الأخيرة (نوفمبر 2006م) وتضامن روسيا والصين لعرقلة الهيمنة الأمريكية في المناطق المتاخمة لهما، وذلك الاستياء العالمي (غير المسبوق) من سياسات بوش والمحافظين الجدد، أسهم كل ذلك في كبح جماح الكاوبوى الأرعن، وتراجعه عن بعض سلوكياته الهوجاء.
ولكن ذلك التراجع القهري أتى بعد كثير من الدمار وسفك الدماء... نتيجة ما تسميه وزيرة خارجية بوش بـ «الفوضى الخلاقة»... والتي هي – في الواقع – فوضى هدامة ومدمرة، عمت كثيرا من أنحاء العالم... ونشرت القتل والبؤس والتخريب فيها. وما زال العراق الجريح هو المثال الأوضح على هذه السياسات، والضحية الأكبر لها. ويتمنى كل الخيرين ألا يتكرر نموذج العراق (كضحية – بصفة رئيسة - لهذه السياسات)ونموذج الصومال (كمثال على انهيار الدولة، والتطاحن الاهلى، عقب انهيار إدارته الديكتاتورية السابقة). كما شهدت السنة الفائتة احياءً همجياً لـ«الطائفية» و«المذهبية»، اتخذ من العراق ميدانا أوليا له.... ولكنه أعد لكل المنطقة. ولاشك أن أعداء شعوب هذه المنطقة هم من بادر و أشعل فتيل الطائفية، وصبّ المزيد من الزيت على نار المذهبية... لان الخلافات والصراعات الطائفية والمذهبية هي أكثر الوسائل فعالية في تمزيق المنطقة، وشرذمتها أكثر... انطلاقا من رغبة هؤلاء في الإمعان في تجزيء المجزأ، وتمزيق الممزق. وذلك مما يجعل المنطقة اضعف، وأكثر قابلية لسيطرة الطامعين، وهيمنة الغزاة. وقد رأينا الفتنة الطائفية والمذهبية تكشر عن أنيابها... في كثير من أرجاء المنطقة، وبشكل سافر، بدءا من: العراق، و من ثم لبنان وفلسطين، ثم غيرهما. ولكن لم يكن كيد الأعداء بناجع، لولا قابلية الضحايا للذبح... وتلك هي أمرّ الحقائق، في هذا الشأن. فالطائفية والمذهبية ليست من اختراع أمريكا، أو اليابان.
وخارج منطقة الشرق، هناك - بالطبع - مشاكل وأزمات حادة، وقابلة للاشتعال والتفاقم، في أية لحظة، في العام 1428هـ / 2007م، وفى مقدمة هذه المشاكل كل من: الملف النووي لكوريا الشمالية، قضية كشمير، المشكلة القبرصية، صراعات القرن الافريقى، مشاكل الفقر والمرض في إفريقيا، وغير ذلك من الأزمات. ولضيق الحيز المتاح، وطول الموضوع، قد نلقى بعض الضوء على أبرز الأحداث المتوقعة، أو القضايا المعلقة والعالقة... (التي حوّلها العام الفائت لعامنا الجديد، وحمله وزر التعامل معها)في الأسبوع القادم – إن شاء الله.