سقط صدام حسين، ثم واجه مصيره المحتوم، وسيرى عمله خيره وشره، لكن الشعب العراقي هو الضحية، فإذا كان صدام ظالماً فسوف يلقى نتيجة ظلمه. لكن المشكلة أن الإخوة العراقيين الآن يدفعون الثمن. فحكم صدام كانت له مساوئ كثيرة ولكن كانت له حسنة هي التي تنقص الوضع في العراق، وتلك الحسنة هي استتباب الأمن، فلا عصابات تتربص بالناس، ولا سيارات مفخخة، ولا مذهبية تتصارع.
أما الآن فقد سقط صدام من منصة الحكم ثم من حبل المشنقة، لكن سقط معه الأمن، وصارت الحزازات تتصارع للانتقام، ومع انعدام الأمن لا يمكن أن يتحقق العدل المنشود، وكذلك سيؤدي انعدام الأمن إلى تأجيج الصراعات الحزبية، ولا يتحقق إلا حكمة غوار «كل من إيده إله».
الآن الشيعة لهم وجهة نظر، والسنة لهم وجهة نظر، والأكراد لهم وجهة نظر، وفي داخل كل جبهة من هذه الجبهات وجهات نظر جزئية، بعضها متشدد، والبعض الآخر أقل تشدداً، وكل فريق يرى أنه هو صاحب الحق ولا حق لغيره، وفي سبيل تحقيق ما يدعيه هذا الفريق أو ذاك يتسابق الأفراد والجماعات لكي يحققوا طموحات فردية، أو جماعية لكن من خلال تصورات غير متزنة، لأن انعدام السلطة المهيمنة يجعل كل طرف يلجأ إلى السلاح عند أقل مناسبة، بل ربما استخدم السلاح لتصفية حسابات شخصية تحت مظلة المصالح الحزبية التي تدعي انها هي الأولى برعاية المصلحة العامة للوطن ككل. وقد يكون أطراف في الصراع من العصابات الحاقدة

على جيران العراق ألا يدخلوا
طرفاً مسانداً لفريق ضد فريق

على الجميع، لكن من هو المستفيد؟!
لاشك أن أطرافاً خارجية بعضها مجاور، وبعضها متسلط عن بعد ويسعى إلى أن تكون المشكلة العراقية غطاء لمشكلات أخرى لا علاقة لها بالعراق. فالذين أسقطوا صدام لم يحققوا ما ادعوا أنهم يسعون إليه. والذين كانوا يتمنون سقوط صدام ولم يستطيعوا عمل ذلك استغلوا الأمر وبدأوا يخططون لتحقيق ما عجزوا عنه من قبل. وصاحب الحق الذي هو الشعب العراقي هو الضحية بين الصراعات المذهبية، والمعارك الطائفية.
وإلا فماذا يفيد السنة في هذا الذي يدور ويذهب ضحيته السني والشيعي، العربي والكردي، وما الذي يفيد الشيعة في هذا التقاتل؟ فإن كان صدام قد ظلمهم فإن الضحية للانتقام ليس صدام، وانما الضحية هي أرض الرافدين التي قد تنتهي إلى دويلات، أو ينتصر فيها فئة من الفئات فتبدأ في الانتقام ممن تظن أن لها يداً في هذا الذي يحدث.
وأمريكا ومن يقف معها لا يظهر من تصرفاتهم أن الصراع الدائر مهم مادام سوف يؤدي إلى عدم استقرار، ولو فكروا جيداً لعلموا أن الفوضى تبدأ في مساحة صغيرة ثم تكبر حتى تصل إلى المنطقة كلها، وقد يتعدى تأثيرها ليصل إلى بلدان ليس لها ناقة ولا جمل في القضية.
فالديموقراطية المدعاة، التي جاء الغزو باسمها أصبحت بعيدة المنال إن لم تكن مستحيلة في بلد فقد الإطار الأمني، ولا أظن أن مدعي الديموقراطية يدركون خطورة ما فعلوه، وان كانوا يدركونه فإنهم أشد خطأ في خلق هذا الوضع المتصارع، وإن كانوا يسعون إلى هذا الانفلات الأمني فإنهم بذلك يدخلون في دائرة الإجرام.
والذين يدعون أنهم يُدافعون عن العراق والشعب العراقي حينما تآمروا (أو لنقل) تحالفوا على إسقاط الحكم السابق من غير أن يضعوا بديلاً عملياً يؤمن لذلك البلد المتعدد المذاهب، قد جلبوا للعراق ما هو أخطر بكثير مما كانوا يدعونه.
بقي أن نقول للإخوة العراقيين: اتقوا الله وتآلفوا من أجل اعادة بناء وحدتكم، وحماية ثرواتكم التي صار يتقاسمها ذوو المصالح، بينما بقي للعراقيين الفقر والعوز والمعاناة، وفقدان الأمن.. على السني أن يدعو إلى مذهبه بالحسنى وألا يؤلب عليه وعلى مذهبه أصحاب المذاهب الأخرى.. وعلى الشيعي أن يفعل الشيء نفسه، وكذلك المذاهب الأخرى وليقتدوا بسيد الخلق الذي كانت سنته الدعوة إلى الله بالحسنى، والذي كان قد أمره الله بذلك بقوله: }ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن|.
وعلى الكردي أن يسعى للتعايش مع إخوانه العرب المسلمين من أجل أن يتيسر لكل الأطراف أن تحقق العيش بسلام في وطنهم المشترك بدلاً من أن يكونوا سلاحاً في أيدي شياطين الجن والإنس، ممن يملأ قلوبهم الحقد على الإسلام والمسلمين فيبذلون جهدهم لإشغال المسلمين في الحرب في ما بينهم..
المستفيد أيها الإخوة: هم اليهود في الدرجة الأولى، ثم المتطرفون من اتباع كل مذهب ممن لا يدركون خطورة تطرفهم.
بقي أن يحرص الجيران لهذا البلد الضحية ألا يدخلوا طرفاً مسانداً لفئة ضد الأخرى لأن ذلك لا يخدم القضية، بل يهدمها.