رأي في الحدث
احتمالات مواجهة قادمة..!؟
د. طلال صالح بنان
الوضع متوتر في منطقة الخليج العربي ويُنذر بقرب موجة عنف إقليمية تعصف بالسكون الذي يسبق العاصفة. الولايات المتحدة يبدو أنها اقتربت، إن لم تكن قد اتخذت قرار التعامل بوسائل غير دبلوماسية مع ملف برنامج إيران النووي. في منطقة الخليج العربي اليوم حاملتي طائرات أمريكية.. وزير الدفاع الأمريكي زار المنطقة مرتين، في فترة تزيد قليلاً عن الأسبوع.. وزيرة الخارجية الأمريكية قفلت الباب أمام أي مساعٍ دبلوماسية تجاه طهران، وانتقدت ـ من يومين ـ قرار الحكومة الفرنسية إرسال مبعوث من قبلها إلى طهران.
في المقابل هناك إحساس قوي في طهران بأن الأزمة تمر بمنعطف خطر. لذا تطور في طهران منهج مختلف، بعض الشيء للتعامل مع الأزمة. طهران تبذل مساعٍ للتعامل الدبلوماسي مع ملفها النووي. هناك دعوة من قبل طهران لاستقبال مفتشين من هيئة الطاقة الذرية.. وهناك ما يشبه التوقف التام ـ من قبل الحكومة الإيرانية ـ عن دبلوماسية البربوغاندا الدعائية للتعامل مع ملف طهران النووي، في مواجهة الاعتراضات الدولية والإقليمية عليه. وهناك، أيضاً، في طهران «لغط» يدور حول العلاقات الإيرانية العربية، خاصة مع الدول الرئيسية في النظام العربي. لا تخفي قوى المعارضة في الساحة الإيرانية عن إبداء استيائها من تردي مستوى العلاقات الإيرانية العربية الرئيسية، التي ازدهرت أيام مرحلة حكم الإصلاحيين السابقة. هذا التردي في مستوى العلاقات العربية الإيرانية بحسب رؤية بعض القوى الايرانية، دفع الكثير من الدول الرئيسية في النظام العربي، أن تتوقف عن أي مساعٍ قد تبذلها لرأب صدع العلاقات بين إيران والولايات المتحدة ودول المجموعة الأوربية ومجلس الأمن.
في نفس الوقت، يواجه حلفاء طهران في العراق ولبنان ضغوطاً داخلية ودولية متزايدة. الولايات المتحدة أبدت تغيراً في سياستها تجاه حكومة المالكي، وامتعاضها من الخلفية الطائفية لتلك الحكومة.. وأخذت في البدء بإجراءات عملية للحد من النفوذ الإيراني في العراق، تحسباً لأي تطور غير تقليدي في مواجهة محتملة مع إيران، دافعها الظاهري التعامل مع ملف إيران النووي، بينما هدفها الاستراتيجي الحد من النفوذ الإيراني، في العراق وبعض جهات المنطقة الأخرى. على أي حال لازالت حكومة الرئيس بوش تنظر إلى طهران كأحد أضلاع محور الشر الثلاث.. وإن كان التعامل معه ليس بالضرورة يأخذ صورة التعامل مع العراق، قبل أكثر من ثلاث سنوات.
كل تلك مظاهر لتراكم عناصر عاصفة جديدة تتجمع في الأفق من المحتمل أن تعصف بالمنطقة، قريباً. ومما يزيد من احتمالات هبوب تلك العاصفة، ما يصدر من طهران من دلائل ضعف الموقف الداخلي لحكومة محمود أحمدي نجاد، التي تدفع تلك الحكومة، بعيدة عن إرادتها، لاتخاذ مواقف أكثر ليونة للتعامل مع الملف النووي، بصورة تختلف عن ما تبنته تلك الحكومة من مواقف علنية متشددة، تصل أحياناً لدرجة الاستفزاز. من ناحية أخرى، يبدو أن الحكومة الأمريكية، قد أغلقت تماماً باب التعامل الدبلوماسي مع إيران، مع إظهار إرادة متنامية للتقدم خطوات تجاه تعامل غير تقليدي مع طهران. بالإضافة إلى تطور ما يشبه الاستعداد الإقليمي للتطورات القادمة، مع ما يشبه القناعة بضرورتها وحتميتها.
ولكن المشكلة: إذا قُدحت شرارة أي صدام محتمل في منطقة الخليج العربي من الصعب تصور مدى امتداده واتساعه.. وقدرة أطرافه الرئيسيين في احتوائه. إذا ما اندلع القتال، فإنه من الصعب التحكم في حركة العنف الصادرة منه، ضمن دائرة محددة لمسرح عملياتها. أي اندلاع لأعمال عنف رئيسية في منطقة الخليج العربي، سرعان ما يتردد صداها في مناطق أخرى. لبنان، لن يكون بعيداً عن ما يحدث في منطقة الخليج العربي.. وسوريا، قد تجد نفسها هدفاً، بسبب علاقتها التقليدية بإيران. في الأراضي المحتلة، سيكون هناك صدىً كبيراً لأي أعمال عنف رئيسية قد تدور في منطقة الخليج العربي.
عالمياً، إذا ما أدى أي تصعيد عنيف في منطقة الخليج العربي إلى قطع إمدادات النفط الإيرانية، سوف تشهد أسعار النفط ارتفاعاً فلكياً في الأسعار، لا تضاهيها موجة الأسعار التي عصفت بسوق النفط العام الماضي. وإذا ما نجحت إيران في عرقلة إمدادات النفط عبر مضيق هرمز.. أو كان ذلك بسبب العمليات الحربية في منطقة الخليج العربي، فإن سوق النفط، ولو لفترة قصيرة، ستعاني من شح خطير في إمدادات النفط، يدفع بأسعاره، إلى ما فوق طاقة الاقتصاد العالمي لاستيعابه... الأمر، الذي ينذر بدورة جدية من الركود الاقتصادي عالمياً، يمكن أن تتطور إلى دورة جديدة من الكساد في الاقتصاد العالمي، تشبه تلك التي سادت العالم في ثلاثينيات القرن الماضي، خاصة إذا ما استمرت العمليات الحربية لفترة أطول من اللازم.
ما لم ينتصر العقل.. ويعي الجميع مخاطر أي اندلاع إقليمي واسع للعنف في منطقة الخليج العربي.. وتتم تسوية ملف إيران النووي، بالصورة التي تزيل أية مخاوف دولية وإقليمية من احتمالات خروجه عن نطاق طبيعته السلمية المعلن عنها.. وتعرف طهران حدود مجالها الحيوي التقليدي، بعيداً عن أية طموحات إقليمية من شأنها أن تخل بتوازن المنطقة.. وكذلك نجاح استراتيجية الرئيس بوش الجديدة في العراق، بكل أبعادها السياسية والأمنية.. وتخلي طهران عن إذكاء روح الطائفية في العراق ومناطق أخرى من المنطقة، فإن المنطقة مقبلة على أيام عصيبة، سوف يتردد صدى عنفها، أرجاء المعمورة.
الحرب ليست حلاً على الإطلاق.. وأيضاً العمل على خرق قواعد معادلة التوازن في أخطر منطقة استراتيجية في العالم، لن ينتج عنه سوى المزيد من عوامل عدم الاستقرار، التي تفضي في النهاية، إلى وقوع الجميع في المحظور.
أضف تعليقك