التراشق بين بوش والمالكي يعكس أزمات متتالية ولا أمل في المخرج
عدم الثقة يسيطر على العلاقات الامريكية العراقية.. والتهدئة الحالية مطلب مرحلي وليس قناعة
رياض سهيل (بغداد)
يبدو ان دقة المرحلة والمخاض اللذين يعيشهما الرئيس الأمريكي والحكومة العراقية، دفعتا بالطرفين الى الخروج عن صمتهما وديبلوماسيتهما، ليبدأ الطرفان، وقبل تنفيذ خطة بغداد والاستراتيجية الاميركية المطروحة، بتقاذف الاتهامات وفتح العيون على الثغرات، وكأنهما يحملان بعضهما بعضا مسؤولية الفشل المسبق لخططهما واستراتيجيتهما . ولا شك ان الرئيس الاميركي بوش هو الذي بدأ المعركة الاعلامية حين غمز من قناة حكومة المالكي متهما اياها بعدم النضج في مجرى تعليقه على اعدام صدام حسين، لتجيء تصريحات وزيرة الخارجية الاميركية وتضيف الزيت على النار، حين اتهمت هذه الحكومة بالضعف . وبالتالي، وحين شعر المالكي بأنه امام دعم من فريق دولي لا يحمل تجاهه الثقة ولا يأمن جانب حكومته، كان لا بد له ان يصوب سهامه ضد هذا الفريق، ليظهر الخلل الفعلي الحاصل في الداخل العراقي، حيث ان كافة مواقع السلطة والقرار السياسي والامني هي تحت تأثير التدخل الاميركي المباشر في الشؤون العراقية، وبالتالي فإن صاحب القرار النهائي هو من يتحمل مسؤولية الفشل الحاصل .
وجاء رد المالكي على التصريحات والمواقف الاميركية على درجة من العنف دلالة على القلوب المليئة بالانزعاج وقلة الثقة. فهو ايضا وجد نفسه امام رئيس امريكي مطلوب منه ان يقدم له كل الدعم، ويعده دائما بذلك، وهو يترنح بوجه ازماته الداخلية بعد فوز الديمقراطيين الذين يهددونه كل يوم بالوقوف ضد مخططاته واستراتيجياته الجديدة بعد فشل استراتيجياته السابقة.
والمالكي بتوجيهه السهام ضد الادارة الاميركية لفت الى امرين مهمين، اولهما عدم مساعدة الاميركيين بتسليح القوى الامنية العراقية بالشكل المطلوب، مما يعزز هذه القوى ويسهل عملية انسحاب الاميركيين بوقت اسرع، والثاني شعور المالكي وتخوفه من ضعف موقع الرئيس بوش داخل الادارة الاميركية بعد فوز الديمقراطيين .
وبما ان الفريقين الاميركي والعراقي، هما امام تجربة صعبة تضع كلا منهما على المحك وتقرر مصيرهما السياسي المستقبلي، راح الطرفان يتقاذفان التهم مسبقا تخفيفا لردات الفعل التي يمكن ان تنتج بعد الفشل اذا حصل، وتسلحا احتياطيا ليرمي كل منهما بالمسؤولية على الاخر. غير ان ازمة الثقة بين الادارة الاميركية والحكومة العراقية لها جذورها القديمة الممتدة منذ بداية الاحتلال حتى اليوم . ولم يكن في يوم من الايام او في اية مرحلة سابقة، ان شعر الطرفان بالثقة المتبادلة حيث يستطيع اي فريق منهما ان يتكل على الاخر بانجاح مخططاته ومآربه، وهذا يعود اولا لعدم ادراك الاميركيين لحقيقة المشكلة العراقية وطبيعة الشعب العراقي، كما يعود لعدم الخبرة السياسية لدى اغلب القوى العراقية التي خرجت لتوها من نظام ديكتاتوري قطع الهواء عنها لعقود طويلة وانساها مفهوم السياسة واساليب التعاطي بها.
وامام الخوف الاميركي من فشل الحكومة العراقية، وخوف العراقيين من عدم تفهم الاميركيين لاوضاعهم وحاجاتهم، وبالتالي عدم تلاقي المصالح بين الطرفين خاصة في ظل تضارب المصالح الاقليمية، كان لا بد لهذا التشنج والشد العصبي ان يظهر جليا لدى الطرفين، خاصة وان لبعض الدول الاقليمية دورا كبيرا في العراق، وقد لا يتناسب مع ما يخطط له الطرفان .
فالمالكي يخشى من وقوع العراق اسير مصالح اميركا المتضاربة مع مصالح ايران، وهو يدرك تماما مدى تأثير الايرانيين على الساحة العراقية وربما له حساباته الخاصة والتزاماته في هذا الشأن . كما يخشى المالكي من ان توصل الاستراتيجية الاميركية الجديدة العراق الى المزيد من تدخل دول مجاورة اخرى بالشأن العراقي، من باب ايجاد التوازن المذهبي الذي تطالب به اميركا وتطالب به تلك الدول، مما يعقد الامور على الارض اكثر فاكثر . هذا كله عدا تضارب مصالح القوى السياسية العراقية الداخلية والتي ينتمي كل منها الى اتجاه او مسار معين.
أضف تعليقك