الـشـعـراء الـجـاهـزون
محمد سعيد الراشدي
.. والجاهزون هم فئة من الشعراء الذين لا تختلف كتابة القصيدة بالنسبة لهم عن كتابة خبر صحفي، أو تعليق إخباري، أو حتى كتابة رسالة جوال تكتب في ثوان وتبلغ الآفاق في لمح البصر !!
وإذاً فهم جاهزون أبدا.. ومتأهبون على الدوام للكتابة عن أي شيء، وفي أي وقت، وبأية طريقة، بغض النظر عن جودة ما يكتب، وحجم الإبداع الذي يحمله !، فالمهم، والأهم، والأكثر أهمية بالنسبة لهم هو التوقيع الدائم في سجلات الحضور، كيفما كان ذلك الحضور!!.
والجاهزون هؤلاء هم من الكثرة بحيث لا تكاد تخلو مطبوعة، أو ملحق أدبي أو ثقافي منهم ومن آثارهم التي تنتشر انتشار الطحالب على حواف الأنهار والبحيرات، وإن كانت هي بالنسبة لهم آخر نطق في الحكمة، وأقصى ما يبلغه مبدع بإبداعه !!.
و شعراء تلك الفئة من متعهدي التموين الشعري الدائم ينطلقون في جاهزيتهم تلك من وهم يعشش في أذهان كثير من المنتسبين إلى الإبداع زورا، وهم الاعتقاد أن الجاهزية تعني الإبداع وجودة الملكة والقريحة، ودليل القدرة والتمكن، لذا فهم في كل مرة يمارسون جاهزيتهم وحضورهم البغيض مع كل حدث، وفي كل مناسبة، يتملكهم شعور زائف أنهم هم المبدعون، وأن قرائحهم لم يجد التاريخ بمثلها، وأقلامهم لم يخلق مثلها في البلاد!
وفي كل آداب العالم لم تكن الجاهزية يوما من شروط الإبداع، ولامعايير التفوق، ولم يخلد تاريخ الأدب شاعرا ولا أديبا لكونه صاحب حضور دائم، أو مداد متأهب، أو استعداد للكتابة تحت الطلب، بل إن روائع الأدب العربي والعالمي – شعرا أو نثرا- هي تلك الأعمال التي جاءت بعد مخاضات إبداعية طويلة، ومراجعات فاحصة و متعددة، وتكرار للنظر مرة بعد مرة، لتثمر في نهاية الأمر روائع خالدة، ونفائس متفردة، وأدواحا فارهة الظل والخضرة، لا تشبه بحال من الأحوال تلك الأعشاب الطفيلية التي تولد ميتة، ثم لاتلبث أن تكون هشيما تذروه رياح النسيان!!
ففي تاريخ الأدب العربي القديم، وفي العصر الجاهلي تحديدا نجد أنماطا متعددة من الشعر الذي يستهلك وقتا طويلا في نظمه وإعداده، ويمر بأطوار شتى من المراجعة قبل البوح به، ومن ذلك ماكان يعرف بالشعر «المحكَّك» لشدة الاعتناء به واستغراقه زمنا طويلا لدى قائليه، ومن ضمن مدارس الشعر العربي القديم مدرسة ما يسمى بعبيد الشعر الذين كانت القصيدة هاجسهم وشغلهم الشاغل.
وأكثر الشعراء المعاصرين تورطا في مأزق الجاهزية، هم أولئك الشعراء الذين يتخذون من أشعارهم مادة لما يرونه نوعا من النضال الفكري، والجهاد بالكلمة، عن طريق التفاعل مع مستجدات الأحداث، وحتما فلا تثريب عليهم في اختيارهم هذا، ولكل شاعر اختيار القضية التي يراها مناسبة له، بيد أن المشكلة تكمن في أن كثيرا من هؤلاء يخلط وبشكل واضح بين مهمة الشاعر،و مهنية المعلق السياسي، الأمر الذي ينعكس سلبا على منجزهم الإبداعي الذي يتحول من نصوص شعرية إلى بيانات سياسية وخطب عصماء، وربما إلى كلام مرصوص كقطع الطوب لا علاقة له بالجمال ولا بالإبداع، وأكثرهم يتصور أن حرارة العاطفة وصدق الانفعال هما وحدهما طريقا الإبداع والتألق، وساعد على تفشي هذا النمط من الكتابة الشعرية دراسات نقدية كسيحة تغض النظر عن كثير من أوابد تلك النصوص ونقاط ضعفها وأخط ائها الجمة، وتقدمها باعتبارها الصورة المثالية لما يجب أن يكون عليه الأدب الملتزم، والالتزام لديهم بطبيعة الحال هو الكتابة في قضايا محددة وموضوعات بعينها، وبعدها فاكتب كيف شئت وبأية طريقة!، ناسين وربما متناسين أن العاطفة وحدها لا تصنع إبداعا، ولا تبرر إخفاقا، ولا تمنح الكلام الرديء أحقية التجاوز وألق الشعر الرائع !!
وفي هذا السياق يقول الناقد الدكتور سعيد السريحي : «كثير من النصوص التي تكتب تحت لائحة الأدب الإسلامي هي نصوص ضعيفة، لأن لأصحابها هما آخر هو هم إيصال الرسالة وليس الرسالة في حد ذاتها في صورها ولغتها وتفسيرها، وكثيرا ما تستمع إليهم فتجد أنهم خطباء ضلوا الطريق ووقفوا في منابر الشعر»!!
والجمع بين ثنائية المواكبة والإبداع هو أمر في غاية الصعوبة، وقلة قليلة جدا من الشعراء الذين يمكنهم الجمع بين الأمرين بنجاح، ليس ذلك فحسب، بل إن من الأسماء الكبيرة والفاعلة والمميزة في ساحة الإبداع الشعري من تطرق الضعف والعشوائية إلى منجزهم الإبداعي، وذلك عندما انجرفوا مع تيار الجاهزية الهادر !. وقد يكون مثيرا للدهشة أن نشير إلى أن من أسباب تنامي هذه الظاهرة بعض القراء والمتلقين الذين يسيئون فهم طبيعة الشعر ومهمة الشاعر، ولا يرون في الشاعر أكثر من آلة لإنتاج الكلمات حسب الطلب، وبرهان ذلك تلك الأسئلة والمداخلات التي تعقب كثيرا من الأمسيات الشعرية والتي تأتي على شكل مطالبات بقصائد جديدة في موضوعات محددة غالبا ماترتبط بالأحداث المستجدة، وبعض تلك الأسئلة يتخذ طابعا استنكاريا مستفزا، يرى أن عدم الكتابة في هذا الموضوع أو ذاك هو تقصير وعدم اكتراث بما يراه أمرا حتميا من الموضوعات التي تروق له دون غيرها.
وتلك الأسئلة والمداخلات يصدق عليها ماقاله أفلاطون عندما سئل عن فائدة الفلسفة فقال:هذا سؤال فاسد، غير أن تلك الأسئلة رغم فسادها قد أدت إلى نتاج أدبي فاسد هو الآخر وسبب فساده الأول ميل الشعراء إلى مسايرة أهواء متلقيهم، وإثبات أنهم جاهزون على الدوام من البيت إلى المعلقة وبالقطعة والجملة،بقصائد تلائم كل المناسبات، وترضي جميع الأذواق، فيما يشبه نظام المقاولات الذي تؤسس له جماعة من الشعراء يمكن أن نطلق عليهم جماعة شعراء بلا حدود على غرار أطباء بلا حدود!!
وهاهنا ثمة أثر رائع للفرزدق في وصف طقوس وأجواء المخاض الشعري إذ يقول : «لخلع ضرس أهون علي من قول بيت من الشعر»، وذلك وهو الفرزدق، أما ابن الرومي فيختصر الموضوع برمته في بيتين رائعين هما:
نار الروية نار جد منضجة
وللبديهة نار ذات تلويح
وقد يفضلها قوم لسرعتها
لكنها سرعة تمضي مع الريح
وأختم بمقولة طريفة لأبي عثمان المازني حين أنشده أعرابي قصيدة رديئة يطلب رأيه فيها فقال المازني : «أرى أنك قد أحسنت بإخراج هذا من جوفك ولو بقي فيك لأورثك السل».. ترى كم عدد القصائد التي تورث السل في زمننا هذا؟!!
أضف تعليقك