لا تزال الإدارة الأمريكية الحالية تصر على الاستمرار في ارتكاب الأخطاء الاستراتيجية التي تكلفها الكثير من الخسائر المادية والبشرية. وإذا كان من السابق لأوانه التكهن بإدراج الاستراتيجية الأمريكية الجديدة في العراق ضمن هذه الأخطاء، إلا أن هنالك عديد المؤشرات التي تؤكد على أنه من غير المؤمل أن تحقق تلك الاستراتيجية الأهداف المرجوة منها والتي لا تعني بالنسبة للمواطن العراقي أكثر من عودة الأمن والاستقرار إلى العراق الموحد والمستقل.
يأتي في مقدمة تلك المؤشرات ابتعاد الخطوط العامة لتلك الاستراتيجية عن توصيات لجنة بيكر-هاملتون التي قدمت مخرجاً مشرفاً للولايات المتحدة من ورطتها في العراق، وعدم ربطها بوضع حل حاسم وعاجل للنزاع الفلسطيني- الإسرائيلي على أسس الشرعية الدولية استناداً إلى الحقيقة الاستراتيجية بأن حل القضية الفلسطينية يعتبر المفتاح لحل كافة قضايا المنطقة، الأمر الذي يؤكد على أن المحافظين الجدد مازالوا موجودين بقوة في المطبخ السياسي لهذه الإدارة.
ولعل ما يدفع إلى الاستغراب في كيفية تعامل إدارة الرئيس بوش مع الأزمة في العراق وتداعياتها الخطيرة رفض الواقع على الأرض وتجاهل رأي الأغلبية الديمقراطية في الكونجرس وعدم الاكتراث بالرأي العام الأمريكي الذي يتمثل في رفض 61% من

إدارة بوش لم تعالج الانفلات
الأمني والقتل على الهوية

الشعب الأمريكي لتلك الاستراتيجية.
ما يدفع إلى الاستغراب أكثر هو إصرار تلك الإدارة على موقفها هذا رغم رفض أعضاء جمهوريين في الكونجرس- بمجلسيه- وعدد كبير من القيادات العسكرية الأمريكية لتلك الاستراتيجية وبما يوحي بأن هذه الإدارة لم تتعلم من دروس السنوات الثلاث الماضية في العراق والتي أدت إلى زيادة حدة الإرهاب في العالم وأخلت بالتوازن الاستراتيجي في المنطقة، إلى جانب إخلالها بالتوازن القديم بين السنة والشيعة في العراق، وزرعها الفوضى ليس فقط في العراق، وإنما أيضاً في دول عربية أخرى أضحى المشهد العراقي الدموي يتكرر في جنباتها.
أما ما يدعو إلى الأسف أكثر من أي شيء آخر فهو إصرار المحافظين الجدد على أن الطريق نحو حل الأزمة العراقية يمر عبر القوة العسكرية وحسب، وأن زيادة عديد القوات الأمريكية إلى مائة وخمسين ألف جندي من شأنه تحقيق النصر في بلد كان موحداً ومستقراً وآمناً ولم يعد كذلك الآن بعد أن أحاله الغزو الأمريكي إلى بلد تسوده أفضل المناخات وأوسعها للعنف والإرهاب، على حد وصف الرئيس الفرنسي جاك شيراك عقب إعلان الرئيس بوش لاستراتيجيته الجديدة التي رأى الغالبية العظمى من المراقبين أنها لا تختلف عن الاستراتيجية السابقة بقليل أو كثير، بل لا تعدو كونها امتداداً لتلك الاستراتيجية.
ولعل أهم عيوب الاستراتيجية الأمريكية الجديدة إنها عالجت قضية الانفلات الأمني على استحياء، خاصة في ذلك الشق منها الذي يتعلق بكيفية التعامل مع الميليشيات العراقية وفرق الموت على الهوية، وبما يعكس رؤية ضبابية حيال الموقف الأمريكي من تلك الميليشيات عندما ألمحت إلى إمكانية استهداف زعماء تلك الميليشيات المتطرفة (سنة وشيعة)، ثم جاءت التعليقات والشروحات من مسؤولي الإدارة الأمريكية بأن القوات الأمريكية ليست بصدد التعرض إلى جيش المهدي الذي يتزعمه مقتدى الصدر (الميليشيا الأكبر في العراق بقوات يبلغ عددها حوالى مائة ألف مقاتل)، إلا إذا قام هذا الجيش بمهاجمة القوات الأمريكية.
ثمة حقيقة أخرى أغفلتها الاستراتيجية الجديدة وجاءت مخالفة لتوصيات لجنة بيكر، وهي أن حالة الانفلات الأمني في الشارع العراقي التي بلغت منتهاها في الشهور القليلة الماضية والتي أفصحت عن مضامينها من خلال التقارير الرسمية العراقية. هذه الحالة المقلقة تعتبر نتيجة طبيعية لممارسات الاحتلال الأمريكي واستمرار هذا الاحتلال دون أن تبدو في آفاق المستقبل القريب أي مؤشرات على اقتراب نهايته، خاصة بعد أن قررت تلك الاستراتيجية دعم القوات الأمريكية في العراق بعشرين ألف جندي إضافي!