انتماء أعمى... أم اصطفاف جاهلي؟!
لا يشك أحد في الوطن العربي بديكتاتورية صدام حسين. وقد آمن الجميع, في ما مضى, بأهمية التغيير في العراق, ولكن, كيف ومتى وبأية آلية يكون التغيير؟ هذه المسألة, وكعادتنا في العالم العربي, كانت محوراً للجدال والنقاش على جميع المستويات السياسية والنخبوية في داخل العراق وخارجه. التباين الحاد, والجبهتان اللتان أفرزهما هذا الجدل قبل سقوط صدام, هما ذاتهما تشكلتا من جديد, في النطاق العربي والإسلامي, بجميع أسماء وفئات وأطياف محتويات كل جبهة بعد إعدام صدام مؤخراً, وكأن الاصطفاف عند أطياف كل جبهة قائم على مسبقات تحليلية لقراءات وثقافات حاكمة قبل وقوع الحدث وخلال حدوثه وبعده, والأمر سيان على الجبهتين.
وهنا يحدث التباين بين القناعات الكاملة المسبقة الصنع والقناعات الكامنة بالاستجابة والتلون حسب ما تمليه رؤية الفرد أو الجماعة. وبين الصورتين, الأولى التقليدية والمريضة بداء عمى الانتماء الكلي للجماعة والأنا, والثانية المتلونة وفق المعطيات والمستجدات غير الثابتة, بل دائمة التغيير. بينهما يحتار المواطن

على المجتمعات العربية بلورة
موقف جماعي متعقل غير انفعالي

العربي بين ضرورات الانتماء وأهمية التجدد. فإن قدم الثانية سيُتهم بالخروج على التقليد والعرف السائدين في عشيرته ومجتمعه وقومه! وإن انغلق على الأولى سيتهم نفسه, قبل أن يتهمه الغير, بالرجعية والتخلف والعاطفية السلبية! والسؤال المثير حقاً: متى سيكون للعقل العربي, الفردي والجماعي, محطته التي يدخل فيها ويخرج منها بروح العصر وثقافة اليوم وشجاعة الموقف وإرادة الذات في سياق مصالحه أولاً وأخيراً؟
نعم, هناك خصوصية ثقافية لمجتمعاتنا, وهناك خصوصية تراثية لتقاليدنا وحياتنا, تحكمنا, ونتوافق, في أغلب الأحايين, مع متطلباتها ونحترم التزاماتنا تجاهها. ولكن أن تتحول هذه الخصوصية إلى قيود تكبلنا تجاه اتخاذ قراراتنا وقناعاتنا أو نحو تحويلها و تطويرها, عندها يجب إعادة النظر في شأننا وعقلنا ومكوناتهما, لأن قطار التنمية لا يمكن أن يقطع المسافات المبتغاة منه بعقول متلبدة بالجمود والتحجر. لا بمعنى اغتيال الخصوصية, ولا بمعنى اختطاف واقعنا الثقافي والاجتماعي, ولا بمعنى تحييد الدين في السياسة والانفتاح, وإنما بمعنى انفتاح العقل على المعطيات والمستجدات وتغيير المواقف إن تطلب الأمر ذلك, لأن إعادة النظر في ما عليه التراث يفضي إلى إعادة النظر في المواقف, بل قد يغير مسارات أو ينهي بعضها.
لذا فإن مجتمعاتنا العربية والإسلامية بحاجة, اليوم, إلى إعادة قراءة العقلية الجماعية المهيمنة على واقعها المعاصر كي تسعى لتشذيب العقل الفردي من خلال ما تغرسه المناهج التعليمية في المدارس والجامعات فيه, ومن خلال إعادة صياغة استراتيجيات السياسات الإعلامية شكلاً ومضموناً, حتى يتبلور الموقف الجماعي اللا انفعالي للمجتمعات, والمبني على المواقف الفردية المتعقلة.
يتحقق ذلك بالابتعاد عن الاصطفافات المبنية على قيم جاهلية, وتأتي بصورة عصرية, والتي قد تسير بالناس على غير هدى, فليس كل حشر مع الناس يكون عيداً. وبالابتعاد أيضاً عن عمى الانتماءات المتوارثة المعطلة لإعمال العقل ضمن تشغيل طاقات الحياة الإنسانية في السياسة والثقافة والاجتماع...فمن جهة أولية فإن عمى الانتماءات لا يجلب التنمية, ولا يتحقق الإصلاح بالاصطفافات الجاهلية من جهة ثانية. والله من وراء القصد.
ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@hotmail.com