مسيرة الإصلاح والتنمية التي يرعاها ويقودها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - حفظه الله -هي عملية معقدة ومتداخلة بمكوناتها وأبعادها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والأمنية، وهي بحاجة إلى مرتكزات وأطر وعمل مؤسساتي، يتضمن وضع الخطط والاستراتيجيات العامة وآمادها البعيدة والمتوسطة والآنية، وتحديد الآليات المناسبة لتحقيقها، ونشير في هذا الصدد إلى دور الموازنات (السنوية) العامة للدولة، والخطط الخمسية، والاستراتيجيات الوطنية المخصصة لحل قضايا أساسية محددة، مثل السعودة، والبطالة، والفقر، وأخيرا صياغة ومراجعة وتطوير التشريعات والأنظمة والقوانين، وفقا للمتغيرات والاحتياجات والمتطلبات الفعلية، وتشكيل وتفعيل المؤسسات الرقابية (الرسمية والأهلية والإعلامية) والمحاسبية الإدارية والمالية، واعتماد الشفافية والتداول الحر للمعلومة، وتطوير وتفعيل المشاركة الشعبية في صنع القرار، واعتماد آلية الانتخاب في تشكيل المجالس (بلدية، مناطقية، شورى) ولو بشكل تدريجي، وضمان مشاركة المرأة وتمكينها في المجالات كافة، كما يتطلب العمل على تنظيم وتشريع قيام مؤسسات المجتمع المدني المستقلة، وضمن هذا السياق تشكلت العديد من الهيئات والمجالس العليا، المعنية بتفعيل خطط التنمية، وتطوير الموارد البشرية والإصلاح الهيكلي للاقتصاد، وتنويع القاعدة الإنتاجية، ومعالجة قضايا البطالة، والفقر، والمديونية العامة للدولة، ونشير في هذا الصدد إلى تشكيل المجلس الاقتصادي الأعلى (أغسطس/ اب 1999) برئاسة الملك عبدالله بن عبدالعزيز وعضوية وزراء المالية والتخطيط والتجارة والبترول والعمل وقد تحددت اختصاصات وعمل المجس باتجاه بلورة السياسة الاقتصادية للمملكة، وصياغة البدائل الملائمة، واستهداف تحقيق امن ورفاهية وازدهار المجتمع، والمحافظة على القيم الإسلامية، والبيئة، والثروات الطبيعية بشكل يوازن بين الحاضر والمستقبل، ونمو الاقتصاد بصفة منتظمة، وبمستوى ملائم، بحيث تتحقق زيادة حقيقية في دخل الفرد ، مع التأكيد على استقرار الأسعار، وتوفير فرص العمل المنتج، والتوظيف الأمثل للقوى البشرية وتشغيلها، وضبط الدين العام، والسيطرة عليه في حدود مقبولة، والحرص على التوزيع العادل للدخل وفرص الاستثمار، والعمل على تنويع القاعدة الاقتصادية، وزيادة مصادر الإيراد العام، وتنمية المدخرات وقنوات استثمارية سليمة، وزيادة دخل الدولة وربطه بحركة ونمو الاقتصاد الوطني، وبما يمكنها من أداء مسؤولياتها نحو التنمية الوطنية، والرعاية الشاملة، والتأكيد على ضرورة استثمار رؤوس الأموال والمدخرات المحلية

لا يمكن فصل التنمية الاقتصادية
عن أبعادها الحضارية الشاملة

في الاقتصاد الوطني، وزيادة مشاركة القطاع الأهلي وتوسيع مساهمته في الاقتصاد الوطني، والمشاركة في برنامج الحكومة للتخصيص، مع تعزيز مقدرة الاقتصاد الوطني على التفاعل بمرونة مع المتغيرات الاقتصادية الدولية. جاء قرار تشكيل المجلس الاقتصادي الأعلى في أعقاب أوضاع اقتصادية صعبة (استمرت سنوات عديدة) مرت بها بلادنا، من جراء التذبذب في سوق البترول العالمية، وانخفاض عائدات الدولة من النفط، الذي وصل سعره إلى مستويات متدنية قياسية، إلى اقل من 10 دولارات للبرميل في عام 1998، وبالتالي تراجعت عائدات الدولة من النفط من 111 مليار دولار في عام 1981 إلى (اقل من الثلث) حوالى 32.5 مليار دولار في عام 1998، في حين لم يتجاوز نمو الاقتصاد السعودي 1.6% سنويا خلال الفترة من 1990 إلى 2000، مقابل نمو في عدد السكان تجاوز 3% سنويا، وهو ما انعكس آنذاك في استمرار العجز في الموازنة العامة، وتصاعد الدين العام، وتقليص مجالات الاستثمار، كما لم تستطع خطط التنمية المتتالية تحقيق أهدافها في تخفيف الاعتماد على النفط، وتنويع القاعدة الإنتاجية ، وتحقيق التوازن الاقتصادي، وخلق البيئة المواتية لرفع معدلات الاستثمار (المحلي والأجنبي) الخاص، وإيجاد الحلول العملية لمشكلات البطالة والفقر والدين العام، وتراجع مستوى ونوعية الخدمات (تعليم، صحة، إسكان) الأساسية. حيث تشير الإحصاءات والمعطيات الاقتصادية إلى استمرار هيمنة القطاع (النفطي) الريعي على صعيد إيرادات الدولة، والميزان التجاري، والدخل الوطني الإجمالي، وفي حين توقعت الخطة الخمسية السادسة على سبيل المثال، أن تتاح من خلال إحلال العمالة السعودية محل العمالة غير السعودية، فرص عمل قدرها 319 ألف فرصة عمل، غير انه في نهاية الخطة زاد عدد العمالة الوافدة بنحو 58.5 ألفاً، وبفارق سلبي مقداره 378 ألف فرصة عمل عما كان مستهدفا، كما توقعت نفس الخطة أن يحقق الاقتصاد الوطني نموا في الناتج المحلي قدره 3.8% سنويا، غير إن نمو الناتج المحلي الإجمالي حقق معدل نمو سنوي 1.1 % فقط في المتوسط. لذا ينبغي الاستفادة القصوى من الفرصة السانحة، للارتفاع القياسي الذي شهدته أسعار البترول في السنوات القليلة الماضية، التي لا يعرف إلى متى ستستمر، خصوصا في ظل استمرار التذبذب في أسعار البترول لأسباب وعوامل (سياسية واقتصادية ومناخية وبيئية وتقنية) متغيرة، وما يدلل على ذلك فان سعر البرميل من البترول قد انخفض من78 دولاراً في شهر يوليو/ تموز الماضي، إلى حوالى 53 دولاراً للبرميل في الوقت الحاضر، أي انه فقد ثلث قيمته في غضون الأشهر الستة الماضية. وفي هذا الإطار ينبغي العمل على تفعيل (السعودة) والإستراتيجية الوطنية لمكافحة البطالة (35% بين الرجال والنساء)، واعتماد الإستراتيجية الوطنية لمعالجة الفقر، فوفقا للإحصائيات الخاصة بالضمان الاجتماعي فإن صفة الفقر تطلق على من يقل معدل دخله الشهري عن 1700 ريال، وقد قدر عدد المستفيدين من مساعدات الضمان الاجتماعي في المملكة عام 1426هـ بحوالى 391 ألف أسرة، كما ينبغي معالجة ومكافحة التضخم، والارتفاع المستمر للأسعار، ولتكاليف الحياة والمعيشة التي من شأنها التهام زيادات الرواتب، والوفورات التي تحققت من تخفيض أسعار البنزين، حيث يلاحظ الارتفاع المستمر لأسعار الأراضي السكنية، ومواد البناء، وقد ارتفعت نسبة متوسط تكلفة إيجار المسكن إلى متوسط دخل الأسرة من 26% خلال الخطة السادسة، إلى 30% خلال الخطة السابعة المنصرمة، في حين انخفضت ملكية المساكن من قبل المواطنين من 65% في الخطة السادسة إلى 55% فقط في الخطة السابعة، إلى جانب ارتفاع أسعار معظم المواد الغذائية، المحلية والمستوردة على حد سواء، كل ذلك يتطلب سرعة العمل على إعادة هيكلة تنظيمية وإدارية، وتقييم وتقويم مجمل الأداء الاقتصادي، وبما يحقق الكفاءة والتوازن والتنسيق المطلوب، لمختلف المرافق والوزارات المعنية بالعملية الاقتصادية، والتنمية المتوازنة، وتنويع مصادر الدخل، ووقف الهدر غير المبرر، من خلال ترشيد الإنفاق، وتوجيهه للاستثمار العقلاني، ولتشكيل صندوق خاص لا يمس، لاستثمار الفوائض المالية لصالح الأجيال القادمة، إلى جانب تطوير وتفعيل المراقبة والمساءلة والمحاسبة لمكافحة الفساد، والتسيب الإداري، والوظيفي، والمالي. وإذا أخذنا بعين الاعتبار بأن هدف التنمية والعملية الاقتصادية برمتها (كما تؤكد على ذلك خطط التنمية المتتالية) محورها ، وأداتها، وهدفها المواطن، والمجتمع في المقام الأول ، وهذا يعني انه لا يمكن فصل التنمية الاقتصادية، عن أبعادها الاجتماعية والإنسانية والحضارية الشاملة.