ثلاثة أحداث جرت في الآونة الأخيرة، تؤشر إلى حقيقة محزنة، فما لم تحصل معجزة ما فالوضع في العراق لن يتحسن في المستقبل المنظور، أي تحسّن قد يستغرق وقتاً طويلاً، وربما لخمسين سنة.
الحدث الأول هو نشر تقرير «بيكر- هاملتون» أوائل ديسمبر الماضي، الذي انجز عملاً جيداً في تقييم الوضع العراقي وشمل 79 توصية تقود جميعها إلى سحب القوات الأمريكية من العراق، والمفضّل، في أسرع وقت ممكن.
الحدث الثاني هو إعدام صدام حسين نهاية سبتمبر، الأمر الذي يشير إلى صاحب السلطة الفعلية في العراق، بعد الأمريكيين.
الحدث الثالث هو الاستراتيجية الجديدة للرئيس بوش، الرامية لإرسال 21500 جندي إضافي إلى العراق، متجاهلة ما ورد في تقرير «بيكر- هاملتون» بالإضافة إلى تجاهل الرسالة القوية التي كان وجهها الناخبون الأمريكيون قبل شهرين، في الانتخابات التي فسرها العديد من المحللين بأنها عبارة عن نداء ملحّ للبدء بسحب القوات من العراق.
بعد حوالى 4 سنوات على الاحتلال الأمريكي للعراق، تبدو أوضاعه على الشكل التالي:
1- ما يقارب المليون عراقي قضوا نحبهم، وأكثر من 1.5 مليون منهم تعرّضوا للتهجير داخل العراق، وأكثر من مليوني عراقي هاجروا إلى الخارج، وحوالى 100

التطهير المذهبي في العراق
أدى إلى خلو البصرة من سكانها

مدني عراقي يُقتلون يومياً.
2- الأمن الشخصي، والرعاية الصحية والتعليم والخدمات العامة، بما فيها المياه النظيفة والكهرباء، كلها أمور تكاد معدومة الوجود.
3- العراق ينتج حالياً حوالى 2.2 مليون برميل من النفط يومياً، يتم تصدير 1.5 مليون برميل منها. وهذان المستويان هما أقل بكثير من مستوياتهما ما قبل الغزو. وهناك حوالى 500 ألف برميل من النفط تتعرّض للسرقة يومياً.
4- نسبة التضخم السنوي ارتفعت إلى ما فوق 50%، ونسبة البطالة وصلت إلى 60%، فيما الاستثمار الأجنبي معدوم.
5- إن أقوى الميليشيات في بغداد تنتمي إلى «جيش المهدي» الشيعي، بقيادة مقتدى الصدر، ويزيد عديدها عن 50 ألف مقاتل، والحكومة العراقية بقيادة نوري المالكي غير راغبة أو غير قادرة على الأقل على مواجهة هذه الميليشيات، وهناك اعتقاد يقول بأن الذين نفذوا حكم الإعدام بصدام حسين، كانوا في معظمهم من عناصر ميليشيا الصدر ويقال إنه شخصياً كان حاضراً أيضاً.
6- وهناك ميليشيا شيعية أخرى هي «فيلق بدر» بقيادة عبدالعزيز الحكيم، ومع أن عديد هذه الميليشيا أقل من ميليشيا الصدر، إلا أنها تسللت إلى داخل صفوف الشرطة الحكومية التي تسيطر على المناطق الشيعية في جنوب البلاد.
7- المناطق الكردية المستقلة في شمال العراق، تتمتع باستقلال شبه مطلق تقريباً، ولها ميليشياتها الخاصة، التي تدعى «البشمركة» ويزيد عديدها عن 100 ألف عنصر، وقد أمر رئيس منطقة كردستان مسعود البرزاني، بإنزال العلم العراقي ورفع العلم الكردستاني مكانه فوق المقرات الرسمية، أما جلال طالباني الرئيس الحالي للعراق، فهو يدعم بقوة فكرة استقلال كردستان.
8- أما السنة العراقيون فقد تعرضوا للتهميش الشديد، لدرجة أنهم فقدوا أية سلطة سياسية تقريباً، وطارق الهاشمي، نائب الرئيس السني، يتم تجاهله كلياً في عملية اتخاذ القرارات، ناهيك عن أن السنة يتهمون الميليشيات الشيعية بجرائم التطهير المذهبي التي تستهدفهم، بحيث أن مدينة البصرة اليوم أصبحت خالية من سكانها السنّة.
من الواضح أن الأمريكيين سوف يقاتلون، في أحسن الأحوال، وسط «فراغ سياسي» الأمر الذي يؤدي إلى تنفيذ التطهير الإثني والمذهبي بشكل كامل. وهذا يعني أن الأوضاع سوف تزداد تدهوراً، خاصة في ظل غياب أي جهد باتجاه المصالحة الوطنية، مما سيقود القوات الأمريكية إلى فشل أكبر وأضخم أي أن الولايات المتحدة سوف تجد نفسها عاجزة عن منح العراقيين فرصة تفادي حصول الفوضى العارمة، إذا لم نقل الحرب الأهلية المدمرة.
* أستاذ في جامعة «واترلو» كندا
ترجمة: جوزيف حرب