أثبتت جميع الحروب بين القوى الغاشمة من جهة وبين الشعوب من جهة أخرى، أنه لايمكن لأي جيش (عرمرم)، مهما بلغ من القوة ومن العُرام، ومهما بلغ من التسلح والعتاد والشراسة أن يتغلب على شعب يقاوم أو أن يدفع ذلك الشعب الأعزل إلى الاستسلام النهائي والمؤبد، حتى ولو كان فقيراً معدماً ولايملك سوى العصا والحجارة أو القليل من السلاح.
تعلمنا ذلك من حرب تحرير الجزائر من احتلال فرنسا، ومن حرب الهند الصينية ضد فرنسا، ومن حرب أمريكا في فيتنام، وأمريكا في أفغانستان والعراق، ومن حرب مقاومة الاستعمار البريطاني في مصر، ومن حرب المقاومة الليبية ضد الاحتلال الإيطالي في القرن الماضي، ومن حرب المقاومة الفرنسية ضد النازية، وحتى حرب الإستقلال الأمريكية ضد البريطانيين في القرن الثامن عشر.
أما أكبر دليل وأعظم شاهد على ذلك في هذا القرن، فهي حرب الشعب الفلسطيني الأعزل ضد جيش الاحتلال الإسرائيلي المدجج بالسلاح. هذه الحرب لاتزال تجسد تراجيديا بشرية مؤلمة ومتصلة منذ بضعة عقود ومن جيل إلى جيل دون أن يتوقع لها العالم نهاية قريبة. وربما تستمر

الشعوب تنشد عالماً بلا حروب
ولا أسلحة ولا خراب ورعب

هذه التراجيديا لبضعة عقود أخرى لانعرف ماذا سيحدث في نهايتها. ولكن يخلق الله ما لا نعلم وما لا يعلمون.
وبالرغم من هذه الحقيقة، فهم لايتعلمون ولا يعتبرون، وليست لديهم بصيرة واضحة وبعد نظر سليم. ماذا تعلّم بوش مثلاً مما حدث لجونسون ونيكسون في فيتنام ولهتلر في ستالينجراد ؟ وماذا تعلم بلير مما حدث لإيدن في مصر؟ وماذا تعلم أولمرت مما حدث لشارون في فلسطين؟ وماذا تعلموا جميعاً من تاريخ حروب التتار ونشأة وسقوط الإمبراطوريات التي كانت في يوم ما تحكم العالم وتتحكم فيه؟
يبدو أن بعض قادة الدول وبعض السياسيين يتمتعون بذاكرة قصيرة وبنظرة لاتمتد إلى أكثر من أنوفهم. فهل ياترى هم لايقرأون التاريخ، أو إذا قرأوه لا يستوعبون دروسه؟ أم أنهم يقرأون ويستوعبون ولكنهم يظنون أن التاريخ لايمكن أن يعيد نفسه، أو أنهم يستطيعون تغيير قوانين الحياة؟
البعض من الساسة والقادة المتغطرسين والطغاة يعتقدون خطأً أنهم يستطيعون إعادة كتابة التاريخ بلغة جديدة وبقوانين خاصة بهم، وأنهم يمتلكون من الأدوات والمواهب والإمكانيات ما لم يمتلكه أحد غيرهم من قبل ومن بعد. ولكنهم سرعان مايكتشفون حماقة أفكارهم ورعونة تصرفاتهم وجهلهم للقوانين الأزلية التي وضعتها القدرة الإلهية.
غير أن مصيبة العالم هي أن الأبرياء والبسطاء من الناس، الذين يؤمنون بالمبادئ الإنسانية والسماوية وبحرية الإنسان وبعدالة السماء، هم في العادة من يدفع الثمن نيابة عن هؤلاء الطغاة المتجبرين، حتى ولو إلى حين.
لكن الشعوب لابد أن تنتصر في النهاية، مهما طال الزمن وعظم الثمن. بل إن المستحيل هو الاستمرار في إرضاخ الشعوب واغتصاب كرامتها وسلب حرياتها، أو محاولة تركيعها و إجبارها على الاستسلام باستخدام قوى البغي وقوة السلاح إلى ما لا نهاية. هذا ما تعلمناه من التاريخ.
عالم بلا حروب، وعالم بلا جبروت، وبلا سياسيين طغاة، وعالم بلا أسلحة لتدمير البلاد وتشريد العباد، وعالم لايحكمه أو يتحكم فيه مجانين تقمصهم شيطان العنف والجشع والخراب، وعالم بلا خوف ورعب مما يخبئه المستقبل، وبلا تسلط وعفن وفساد، عالم تسوده المحبة ويعمره تفاؤل الإنسان وضميره الواعي وفكره المضيء، هو ما نحلم أن نورثه لأبنائنا وأحفادنا وللبشرية جمعاء.
فهل يتركنا تجار الحروب ودعاة العنف نحقق هذا الحلم، أم أنها مجرد «يوتوبيا» لاوجود لها؟
dr_ayb@yahoo.com