مضى حج هذا العام ولله المنّة والحمد دون حوادث تُذكر وتُوّجت جهود الدولة المباركة وأعمالها في المشاعر بالنجاح والامتنان وكان دور العلماء الأفاضل كبيراً في التيسير على الحجاج وفعِّل فقه المقاصد في أداء المناسك وبالتالي إلى نجاح حج هذا العام. وقال سماحة مفتي عام المملكة إن شريعة الله لا حرج فيها وشريعة الله لا تقف أمامها مشكلة من المشاكل وإن من اجتهد ورأى وأفتى برمي الجمار قبل الزوال وفي الليل فلا إشكال فيه وله تأخير رمي الجمار جميعاً إلى اليوم الثالث عشر ومن عجز أناب غيره ومن لم يقدر أو لم يجد من ينيبه ذبح كبشاً فإنه قام بالواجب. وهذا مما يدل على سماحة هذا الدين ويسره وأنه لن يشاد الدين أحد إلاّ غلبه فالتيسير على حجاج بيت الله والأخذ بمقاصد الشرع الكريم في أعمال الحج ورفع الحرج عنهم ضرورة اقتضتها ظروف الزمان والمكان وزيادة نسبة عدد حجاج بيت الله. وفي خضم هذه التسهيلات والنجاحات والعودة إلى روح الشرع والعمل بقوله صلّى الله عليه وسلم لكل حاج: «افعل ولا حرج» قرأت قولاً صادراً عن الشيخ عبدالمحسن العبيكان في جريدة الوطن (2285) «أنه لو وقع الرمي في الشاخص ولم يسقط في الحوض بطل الرجم ولم يصح وعليه إعادته فلا بد أن يرمي ليقع في الحوض». وهذا القول يعيدنا إلى دائرة التضييق على الحجاج والتدافع والتزاحم ليصل كل حاج إلى أقرب نقطة يستطيع أن يرمي بها الشاخص ليقع الحجر في الحوض وإلاّ اعتقد -وبناء على قول الشيخ العبيكان- أن رميه باطل وعليه الإعادة مع الصعوبة بمكان أن يكون في مقدور الحاج أن يعود يرمي الشاخص مرة أخرى في وجود هذه الأعداد الضخمة التي تزداد سنوياً في بقعة هي أضيق مكان بالمشاعر.
لقد غاب عن الشيخ العبيكان أن هناك مرضى وكباراً في السن ونساء وضعافاً لا تستطيع قوة أيديهم أن تصل بالحجر ليقع في الحوض خاصة أن محيط الدائرة البشرى

التيسير على الحجاج والأخذ بمقاصد الشرع
ضرورة الظروف الزمانية والمكانية

بالشاخص تتسع وتكبر وقت الذروة والازدحام ولا يستطيع حتى القوي من الحجاج مع التدافع وشدة الزحام وعدم التركيز أن يضمن أن حصاته قد سقطت في الحوض الخاص بكل شاخص وهذا مما يبني حالة شك ووسواس في عقل الحاج بأن رميه غير صحيح وهو القادم من أقاصي الدنيا ليؤدي هذه الفريضة ويتمنى أن يتمها على أكمل وجه، فقد لا يعود إلى هذه الأرض مرة أخرى. فيركن إلى الإعادة وهذا في حد ذاته مدعاة للزحام والتدافع والتشديد والتضييق على حجاج بيت الله. لقد اختلف الفقهاء في عدد أركان الحج. فعند الحنيفية الوقوف بعرفة والطواف حول الكعبة، وعند الجمهور الإحرام والطواف والسعي والوقوف بعرفة، وزاد الشافعية الحلق أو التقصير. مغني المحتاج (1/513).
ورمي الجمرات ليس داخلاً في أركان الحج وإنما هو من الواجبات التي تُجبر بدم لو تركه الحاج، فالقاعدة الشرعية تنص ( أن ما كان الأصل فيه الوجوب سقطت سننه ومستحباته وذلك بالجهل أو الخطأ أو النسيان أو عدم القدرة ). وهل هناك عدم قدرة كما هي في أداء مناسك الحج من شدة الزحام وعدد الحجاج وضيق المكان خاصة عند رمي الجمار. وما أورده الشيخ العبيكان إنما هو قول واحد للإمام أحمد وقد أجازت بقية المذاهب أنه إذا وقع الحصى بقرب الجمرة أجزأ الحاج ذلك لأن ما يقرب من ذلك المكان يكون في حكمه لكونه تبعاً له. البدائع، للكاساني (2/138). كما أن المرأة لا تستطيع أن ترفع يدها لترمي بها الجمرة كما يفعل الرجل فهي تختلف عنه طلباً للسترة والاحتشام، مغني المحتاج (1/508). فلو رمى الحاج من ذكر أو أنثى حجره وسقط في أي مكان حول الشاخص حتى ولو تحت قدمه لأجزأه ذلك بلا عوض لأن من المستحبات أن فروع العبادات من صلاة وصوم وحج وغيرها يكفي فيها الظن دون القطع واليقين لأنها مبنية على أحاديث الآحاد وهي أحاديث ظنية لا تفيد القطع ولا تُؤخذ منها العقائد إذ إن طريقها القطع واليقين، وهو الخبر المتواتر الذي من شأنه إفادة العلم الضروري وأنه واجب العمل به إجماعاً في الشرعيات. فخبر الآحاد ما نقله واحد من الصحابة عن رسول الله. وقال عنه أهل العلم إنه لا يفيد إلاّ الظن اعتماداً على الطبيعة البشرية المعرّضة للخطأ والنسيان. كما أن فعل رسول الله صلّى عليه وسلم برميه الجمار كان مجرداً عن القول ولم يصاحب فعله قول في رمي الجمرات وهو فعل مجرّد يحمل على الندب وليس على الوجوب. لذلك لا نستطيع أن نجزم أن الجمرة لا بد أن تسقط في الحوض وإنما يكفي الرمي إن مقصد الشارع في أعمال الحج كلها إنما يهدف إلى الطاعة والامتثال إلى أوامر الشريعة وإلاّ كيف نفسّر هديه عليه الصلاة والسلام في قوله لكل من سأله: «افعل ولا حرج» حتى أولئك الذين رموا الجمرات خمس أو ثلاث حجار بدلاً من سبع لم يبطل الرسول العظيم رميهم ولم يقل لهم بل عليكم الإعادة بل قال لمن
سأله: «افعل ولا حرج». فمقصد الشارع الحكيم هو الامتثال لرمي الجمار أين سقط الحجر ؟ لا يهم. المهم إتيان الطاعة علاوة عن أن هذا الحوض الذي تسقط فيه الجمار لم يكن موجوداً على عهد رسول الله ولا صحابته الكِرام وإنما هو من الأمور المستحدثة التي ليس لها أصل في الشرع وقد تغيّر هذا الحوض وتبدّل شكلاً ومضموناً على مرّ العصور المختلفة، حتى وصل إلى ما وصل إليه اليوم.
قِياساً على ما قاله الشيخ العبيكان فإن استقبال القبلة في الصلاة لا بد أن يكون على وجه الدقة وبالميزان وهذا لا يتحقّق على أرض الواقع خاصة في بلاد المسلمين البعيدة وإنما يتجه الإنسان إلى القبلة وهو يتحرّى وجهتها الصحيحة ويصلي. ولو انحرف عن القبلة أمتاراً بسيطة لا نستطيع أن نجزم أن صلاته باطلة وعليه الإعادة. ورد في ميزان الأصول للسمرقندي (631) قوله إن عامة أحكام الله وعبادته واجبة على العموم ثم تسقط في حالة الضرورة والحرج.