المؤشرات الاقتصادية الايجابية للإيرادات العامة للدولة، والميزان التجاري، وميزان المدفوعات ونتائجها على صعيد النمو الاقتصادي للقطاعين الحكومي (العام) والخاص، وزيادة حجم الناتج الإجمالي المحلي الذي تحقق في غضون السنوات الثلاث الماضية، ومن المتوقع أن يستمر في الأعوام القادمة ولو بنسبة أبطأ قليلاً... تعيد إلى الأذهان سنوات الطفرة الأولى التي استمرت لمدة تقل عن عقد من السنين (1973 -1981)، خصوصا أن المعطيات المتعلقة بنمو الاقتصاد العالمي، واستمرار وتنامي حاجته من الطاقة (التي لا يزال النفط يشكل عصبها الأساسي) سواء في المراكز الاقتصادية المتقدمة (التقليدية) الكبرى، الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي واليابان أو الاقتصاديات البازغة مثل الصين والهند، وهي مؤشرات تبشر بأن بلادنا مقبلة على طفرة نفطية وفورة مالية ثانية لا نعرف إلى متى ستستمر، لكن علينا اقتناصها والاستفادة منها من خلال تعظيم مخرجاتها بهدف تطوير ودفع عملية التنمية الشاملة في المجالات المتاحة كافة، مع العمل على تجنب السلبيات التي رافقت فترة الطفرة الأولى. السؤال المطروح هنا: ما أوجه التماثل والاختلاف بين الطفرتين الأولى والثانية إذا اتفقنا إننا نعيش بالفعل مرحلة طفرة جديدة؟ بداية نستطيع القول بأن الطفرة الأولى حدثت على حين غرة وذلك في أعقاب حرب أكتوبر 1973، وقرار قطع البترول الذي اتخذته المملكة ومعها الدول العربية النفطية الأخرى، وهو ما عرف «بصدمة النفط» الأولى وما أعقبها من قرارات وإجراءات جماعية لدول منظمة أوبك للحفاظ على مصالحها في تثبيت سعر معقول وعادل لنفطها، الأمر الذي أتاح مضاعفة سعر برميل البترول، وبالتالي مضاعفة الإيرادات المالية للدول المنتجة وفي مقدمتها المملكة، ففي حين قدرت عائدات المملكة من النفط في عام 1972بـ 3.89 مليار دولار ارتفع إلى 5.84مليار دولار في عام 1973، ووصل ذروته في عام 1981 ليصل إلى قرابة 111 مليار دولار، الأمر

%70 من العمال الوافدين من ذوي الشهادات المتوسطة ومادون يحولون 56 مليار ريال

الذي سمح بالإنفاق الواسع على مختلف القطاعات الاقتصادية، وفي مقدمتها البنية التحتية، والموارد البشرية (تعليم وصحة) والخدمات،والمرافق والمشاريع الصناعية والزراعية، وتقديم الحوافز المتعددة للقطاع الخاص كي ينمو ويتوسع في جميع المجالات المتاحة. في بداية تلك الانطلاقة التنموية (الانفجارية) الشاملة كان عدد السكان آنذاك (1973) يقل عن سبعة ملايين نسمة وفي عام 1975 وصل عدد السكان إلى 7.3 ملايين نسمة، وكانت قوة العمل السعودية المؤهلة علميا ومهنيا منهم محدودة للغاية، لذا لجأت الدولة في تنفيذ مشاريعها إلى ما سمي آنذاك بـ«تسليم المفتاح» بمعنى إرساء مناقصات كبرى غالبا ما كان مهيئا للدخول فيها والفوز بالمناقصات، هي الشركات الأمريكية والأوربية واليابانية والى حد ما الشركات الكورية والصينية (تايون)، وقد منحت تسهيلات كبيرة باستيراد كل أو معظم تجهيزاتها ومعداتها، إلى جانب استقدام العمالة والطاقم الإداري والفني حتى استكمال المشروع، وفي الوقت نفسه فتح المجال واسعا أمام القطاع الخاص في استقدام العمالة المدربة والعادية من الخارج، كان ذلك الإجراء معقولا وقد يكون ضروريا آنذاك، خصوصا ان تنمية الموارد البشرية وخصوصا التعليم والتدريب يحتاجان إلى وقت، كما أن أبواب العمل أمام السعوديين كانت مشرعة وسهلة، وخصوصا في قطاعات الدولة المختلفة، غير أن هذه المسوغات (المؤقتة كما يفترض) انتفت في غضون سنوات قليلة لاحقة، في ضوء ارتفاع معدل زيادة السكان بما يفوق المتوسط العالمي وهو في حدود 3 إلى 3.5% سنويا، وبالتالي مضاعفة عدد السكان إلى أكثر من ثلاث مرات في غضون الثلاثة عقود الماضية، حيث يصل عدد السكان في الوقت الحاضر إلى 23.5مليون نسمة، يشكل السعوديون منهم حوالى 17.5 مليون نسمة و50% منهم دون 15 عاما، كما أن من بينهم أكثر من خمسة ملايين طالب وطالبة في مختلف مراحل التعليم العام والعالي والفني والمهني، وفي الوقت نفسه فإن مرافق الدولة متخمة بأكثر من مليون موظف، حيث تستنزف الرواتب والنفقات الإدارية والتشغيل أكثر من 70% من الموازنة العامة للدولة، مما يجعل تحميل الدولة مزيداً من التوظيف أمراً بالغ الصعوبة. مع أن نسبة مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي تتراوح ما بين 40 إلى 45 % من الناتج المحلي الإجمالي غير انه يستوعب حوالى 12% من السعوديين فقط من إجمالي عمالته، أما النساء السعوديات العاملات لديه فلا تتجاوز نسبتهن 0.5% فقط، وهي نسبة ضئيلة غير معقولة على الإطلاق، إذ من المعروف بأن كل دول العالم المتقدمة والنامية على حد سواء تولي الأهمية القصوى والأولى في تشريعاتها وأنظمتها الوطنية، لتوظيف عمالتها المحلية وتضع التشريعات والقوانين والقيود التي تحد من استقدام العمالة الأجنبية، وأمام الهجرة غير الشرعية، والاستثناء الوحيد هو بعض المهن المتخصصة والنادرة، فكيف والحال إذا كانت نسبة البطالة المحلية بين السعوديين الذكور 9.1% وبين النساء 26% أي بمجموع بطالة إجمالي يصل إلى 35 % من القوى العاملة السعودية، وفقا لتصريح وزير العمل الدكتور غازي القصيبي، وهنا لا ينبغي الركون فقط إلى القول المتكرر بأن مخرجات التعليم لا تتواءم مع احتياجات السوق، لأن ذلك قد ينطبق على بعض المهن والمهارات والتخصصات النوعية والرفيعة، لكن إحصاءات مكاتب العمل (بموجب الرخص الصادرة عنها) تفيد بأن معظم العمالة العاملة في القطاع الخاص والذين يحملون شهادة متوسطة فما دون يشكلون ما يزيد عن 70% من إجمالي العمالة الوافدة، أما مجموع تحويلاتهم السنوية فتصل إلى حوالى 15 مليار دولار (56 مليار سعودي)، وهو ما يشكل استنزافا هائلا للناتج المحلي الإجمالي،الأمر الذي يتطلب اتخاذ خطوات عاجلة وحاسمة لتطبيق الأنظمة والقوانين المتعلقة بـ«السعودة»، نظرا لأنه يشكل واجباً وطنياً، واحد روافع التنمية والتطور الاقتصادي، وللحفاظ على التماسك والتضامن الاجتماعي.