فضلا فكّر فى قيمة الأشياء التي استعملتها اليوم...ولاحظ أن مفهوم القيمة يحتوى على أبعاد مهمة وعميقة جدا فليس بالضرورة أن تكون له علاقة مباشرة بالسعر الذي دفعته للحصول على الشيء...وعلى سبيل المثال فالهواء الذي تسنتشقه الآن «ببلاش» ولكن قيمته عالية جدا...وليس بالضرورة أن تكون هناك علاقة بين السعر والتكلفة، فالمعاملة في الأحوال المدنية مثلا سعرها صفر ولكن تكاليفها من النواحي البدنية والنفسية قد تكون مرتفعة للغاية...وبالتالي فمفهوم القيمة والسعر والتكلفة ليس بالضرورة أن تكون مرتبطة ببعضها كما نتوقع...والطريف أنك ستجد أن العديد من السلع والخدمات التي تستخدمها تتميز بقيمة عالية جدا وسعر منخفض لا يعكس تلك القيمة...ومما لا شك فيه أن «الكرتا» من السلع التي تحتل مكانة خاصة جدا فى تاريخ البشرية...لابد من الإيضاح هنا أن المصطلح يرمز الى العديد من الأشياء...هناك الكلمة القديمة التي ترمز الى «الفستان» في بلدنا، ويقال إن للكلمة بعض الجذور الأوروبية، وللعلم فهناك كرتا «البيجاما» الهندية أيضا...وتوجد كرتا فى أفغانستان وفى الباكستان أيضا... وكانت الكرتا من أهم عناوين الوجاهة للسيدة

عديد من السلع سعرها
لايوازي قيمتها الحقيقية

السعودية، وخصوصا أن الأقمشة لم تكن متوافرة كما هو الحال اليوم...وبالرغم من أهميتها فهناك كرتا أخرى أهم من تلك التي كانت تتزين بها السيدات فى بلدنا وهي آلة الجيب الحاسبة وقد أطلق عليها هذا الاسم نسبة الى مخترعها النمساوي «كورت هرتزستارك»...وهذه الآلة العجيبة التي تم اختراعها فى عام 1936 والتي تشبه الأنبوب الصغير لها تاريخ عجيب جدا ومن أهم ملامحه: أنها كانت ميكانيكية بالكامل فلم تدخلها الكهرباء بأي حال من الأحوال ...وكانت مُصنعة وكأنها قطعة فنية منحوتة بأعلى المواصفات العالمية من الخارج...وأما من الداخل فقلبها يحمل دقة ساعة «الرولكس» فهناك عشرات التروس المعدنية عالية الدقة التي كانت تدور بأساليب ذكية جدا لإظهار الإجابة على العمليات الحسابية على رأس الأنبوب...وحجمها يُعادل حجم الجوال الصغير من طراز النوكيا «برج العرب» ويمكن تشغيلها بالكامل بيد واحدة...قمة الذكاء...وقد طورها المذكور كورت أثناء فترة حبسه بداخل السجون الألمانية خلال الحرب العالمية الثانية وتحت أسوأ الظروف المعيشية من النواحي النفسية والبدنية والصناعية...وبعد الحرب أنتجت بكميات من ولاية «لختنشتاين» وهي أصغر دولة أوروبية حيث تبلغ مساحتها أقل من ضعف مساحة أرض مطار الملك عبدالعزيز فى جدة...تخيل كل هذه العبقرية فى التصميم والتصنيع المتقن للجمع والطرح والضرب والقسمة...وكمان فوقها ذاكرة لحفظ الأرقام...وبمناسبة ذكر موضوع الذاكرة نجد أن ذاكرة العالم لا تعطي بعض الاختراعات المهمة حقها من الأهمية، والكرتا فى صميم الأمثلة الدالة على الاختلافات في الأولويات...ومما لا شك فيه أن الآلة الحاسبة هي من أعظم الاختراعات البشرية وأكثرها فائدة لبلايين البشر...أكتب هذه السطور وفي جيبي آلة حاسبة تستطيع تخزين أسماء وأرقام الهاتف لمجموعة كبيرة من البشر...أكثر من سكان محافظة جدة...وكل هذا بدأ بالكرتا.
أمنيــة
أذكر أنني بكيتُ فى الصغر عندما اقتنيت أول آلة حاسبة...بكيتُ حزنا على الوقت والجهد الذي ضاع من عمرى في حل المسائل بالطرق اليدوية...وبكيت فرحا على الوقت والجهد الذي ستوفره عليّ هذه الآلة المعجزة...وقد وجدتُ أنني ضيّعت حوالى 8.375 % من عمرى في الوقوف فى طوابير لا داعي لها والانتظار خارج مكاتب لا داعي لها...أتمنى أن نبتكر في وطننا كرتا جديدة للتخلص من هذا الإهدار لحياتنا وانتاجيتنا.
والله من وراء القصد.