لنفترض عزيزي القارئ أن رجلاً عليه دين أثقل كاهله، ويستهلك معظم راتبه كأقساط شهرية ولن يتم سداده لسنوات عديدة، وقيل له إن حججت ولم ترفث أو تفسق سُدّد دينك بأكمله وعدتَ لتستمتع براتبك وتستعيد مافقدته من سوق الأسهم.. أجزم أن هذا الرجل سيُبادر بأداء فريضة الحج دون تردد، فلا همَّ مثل هم الدين.
وإذا كان الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام حدّد لنا معالم الإفلاس الحقيقي بما معناه أن المفلس ليس من لا نقود لديه بل من كان له حسنات كثيرة ويأتي يوم القيامة وقد سبّ هذا وشتم ذاك حتى ينفد رصيده من الحسنات، فيمكن

التسهيلات التي هيأتها الدولة
لا تعني مخالفتها بتكرار أداء الحج

قياساً على ذلك اعتبار أن المُثقل بالسيئات كمن يثقل بالدين، والعائد من حج مبرور جزاؤه الجنة، يعود كما ولدته أمه، أي تغفر جميع ذنوبه كمن تسدد ديونه.
ومع ذلك فهناك من يُؤجل أداء فريضة الحج، مع قدرته عليه، إما تكاسلاً أو تثاقلاً أو تهاوناً. وتمضي سنوات عمره عاماً بعد آخر، حتى يجد أن نشاطه البدني وقدرته على التحمّل قد تراجعت كثيراً، وأصبحت تأدية الفريضة صعبة عليه.
إن سهولة أداء هذا النسك العظيم، بفضل ما شهدته مكة المكرمة والمشاعر من تطوير، تفرض علينا أن نراجع أنفسنا ونبادر إلى تأدية هذا الركن العظيم.
وفي الوقت نفسه يجب أن لا تدفع هذه التسهيلات الكثيرين إلى تكرار الحج فيثقلون على إخوانهم ويُضايقونهم، وإذا كانت الدولة قد وضعت تشريعات واضحة طالبت فيها بعدم تكرار الحج في سنوات متتابعة، بهدف التيسير على بقية المسلمين، فإن مسؤولية تنفيذ هذه التشريعات لا تتحملها الجهات المعنية وحدها، وإنما يتحمّلها كل مواطن ومقيم شرفه الله بأن يعيش على هذه الأرض الطاهرة وينعم بخيراتها.
إنني لا أشك بصدق عواطفنا الدينية وشوقنا إلى الترحال الدائم إلى الرحاب الطاهرة، لكن علينا الاحتساب، وجعل عدم تكرار الحج رغبة في إتاحة الفرصة لإخواننا الذين لم تسبق لهم تأديته، وسنجد إن شاء الله من أبواب الخير ما نعوض به أنفسنا.
fma34@yahoo.com