على خفيف
ابحثوا عن ذوي المروءات
جاء في كتب التراث أن الخليفة الأموي الراشد عمر بن عبدالعزيز رضي الله عنه لما أراد اختيار رجال الحكم في عهده وولاة الأمصار، استشار أحد أخواله من آل الخطاب في مواصفات من يختارهم فقال له: يا أمير المؤمنين إنك إن تختر أهل الدين فإنهم لا يرغبون في الولاية، وأما أهل الدنيا فإنك لا ترغب فيهم، ولو رغبت فيهم فلن تجدَ لك منهم معيناً على الحق، ولكن اختر ذوي المروءات الذين يستحي المرء منهم أن يقال عنه إنه سرق أو خان!
وما قاله ذلك الحكيم الخطابي لابن اخته الخليفة الراشد عمر بن عبدالعزيز قاعدة يمكن أن يُسترشد بها في الحكم والإدارة العليا والمتوسطة، لمن أراد الحق والمصلحة وسعى إليهما بصدق وأمانة!
نعم.. إن أهل الدين الزاهدين في الدنيا قلما تجدهم راغبين في تولي المناصب الإدارية، وإن أجبر بعضهم على تولي شيء منها بسيف الحياء، فإن بعض من حوله قد يستغلون انشغاله بالآخرة وزهده في الدنيا وطيبته المتناهية وحسن ظنه بالجميع، يستغلون ذلك كله في الحصول على مكاسب خاصة غير مشروعة وتؤخذ باسمه الدنيا جميعاً، وما من ذاك شيء في يديه، فمثله لا يصلح لتولي القيادة والإدارة وإن كان من أهل التقوى والعمل الصالح!
أما أهل الدنيا وآهٍ ثم آهٍ من أهل الدنيا، فإن بعضهم يأكلها وهي والعة ويلقطها لقطاً وهي طالعة ويلحقها متدحرجاً خلفها وهي نازلة وأسنانه مثل أسنان المنشار ويداه مثل أيدي الشطار تشفط ما في الجيوب ولا تأبه بالعيوب، فهؤلاء لا يصلحون للقيادة أو الإدارة؟!
أما ذوو المروءات إن توفر وجود أمثالهم في أي موقع فإن حياءهم ومروءتهم تجعلهم يربأون بأنفسهم أن يقال عنهم إنهم سرقوا أو خانوا الأمانة «يعيش المرء ما استحيا بخير، ويبقى العود ما بقي اللحاء»، فإذا تم اختيار صاحب مروءة في منصب حتى وإن لم يكن زاهداً، إلا أن مروءته تردعه عن النقائص الإدارية والخلقية، فتصلح بوجوده الإدارة وتسير الأمور وفق المصلحة العامة ويأمن أصحاب الحقوق والحاجات من غوائله على مصالحهم لأنه صاحب مروءة وحياء لا يقبل أن يجعله الله أحاديث تُلاك في الأفواه مثل أهل الدنيا الفاقدين للمروءة الذين لا يأبهون بما يُقال عنهم إن لم تجد بعضهم يفخر بأنه استطاع أن يهبش ويهرش ما وسعه ذلك متهماً ناصحيه من أهل الدين ومن أهل المروءات بأنهم «حسدوا الفتى إذ لم ينالوا سعيه» غافلاً غير عالم أنه سعي متقدم إلى النار إن لم يتب قبل فوات الأوان!!
أضف تعليقك