برنامج سؤال اليوم الذي تعرضه قناة الاخبارية، وكتب عنه الزميل يحيى الأمير، تقريراً لطيفاً في جريدة الريــاض يـــوم 6 اغسطس 2006، لا يخــرج عــن الفكـرة التي رسمها الاعـلام لشخصية المواطن في المجتمعات الغربية، فالاشارة الى المواطنين وارائهم في محطات الاخبار البريطانية والامريكية، تأتي، في الغالب، على شكل استنتاجات لا تستند الى اساس علمي، او آراء عفوية و ارتجالية لرجل الشارع.
المثال النموذجي للاستنتاجات، يمكن رصده بسهولة في تعليق مراسل أي بي سي الامريكية، على تقرير بثته المحطة في 12 سبتمبر 2001، يقول المراسل: في هذا الصباح، اعاد الامريكيون ترتيب اولوياتهم، واختاروا ان لا يعطوا الارهابيين الفرصة في رؤية امريكا ممزقة.
ما قاله الصحافي، لا يعبر بالضرورة عن الرأي العام، فهناك وجهة نظر تقول، بان الاتصال المباشر بين الصحافيين والجماهير محدود، وانهم يعتمــدون في التقييم على تجاربهم الشخصية وخبراتهم مع القراء والمشاهدين أومحيطهم الاجتماعي الصغير، و حتى لو افترضنا تجاوزاً بان المراسل، كوّن موقفه من استطلاع او اكثر للرأي، فقد اكدت الاحصاءات بأن خمسة الى واحـــد من استطلاعات الرأي في الاعــلام الامريكي مؤيدة لسياسة المحافظين الجدد، وتناول إليوت كينغ ومايكل شودسون في كتابهما: الصحافة و وهم الرأي العام (1995) كيف ان الرئيس الامريكي رونالد ريغان، احتفظ بشعبية كاسحة في الشارع، رغم ان استطلاعات الرأي اظهرت العكس...!
ثم ان الاراء العفـوية والارتجاليـــة المختصرة، لرجل الشارع في التلفزيون البريطاني والامريكي، و الى حد ما، السعودي، تعطي انطباعاً بأن الناس بعيدون تماماً عن مشاكلهم الفعلية، و ان همومهم لا تتجاوز المسائل الذاتية او الاجتماعية البسيطة او تسجيل ردود الافعال العاطفية نحو الاحداث، و دورهم هنا يكون في التعليق وليس الــرأي، وللعلم فقد اشارت

الفكر المسيطر على الإعلام الغربي
هو شبكة صيد تمسك بالأسماك الكبيرة

بي بي سي البريطــانية في ارشاداتها، الى أن الاراء الارتجالية لرجل الشارع، لا توفر معرفة صحيحة باتجاه الرأي العام او حجمه الحقيقي، والقضية ان المشاهدين لا يفهمون هذه النقطة...!
الحيلة الاعلامية الثالثة للإحالة الى الرأي العام، قد تقدم مغلفة في عبارة يرى او يعتقد بعض الناس، دون تسمية او رقم واضح، والمثال، مرة اخرى، من أي بي سي نيوز، في 6 نوفمبر 2001، ويدور حول تحسين صورة امريكا، يقول الخبر: الآراء متباينة في مسألة تعيين شارلوت بيرز، وكيلة جديدة، للدبلوماسية العامة في وزارة الخارجية(الامريكيـة) و شارلوت، ادارت حملات اعلانية لشامبو هيد اند شولدرز، امريكان اكسبرس و ارز انكل بنز، اذ يعتقد بعض الناس، انها تستطيع تسويق امريكا للعالم، باستخدام اساليب الاعلان التجاري، واخرون يرونها امرأة بسيطة وسطحية.
طبعاً لا احد يعرف من هم هؤلاء الذين يعتقدون اولا يعتقدون، او ما علاقة هيد اند شولدرز بالموضوع....!
لعل الشكل الاكثر منطقية في تقديم الرأي العام هو المسيرات، وقد تعرضت لها، بصورة مختصرة، إن بي سي نيوز الامريكية، في 11 فبراير 2002، اي في بداية الحرب على الارهاب وضرب افغانستان، تقول المحطة في تعليقها على مشاهد من ايران: في الذكرى الثالثة والعشرين للثورة الايرانية، تجمع آلاف الاشخاص، في مسيرات ملأت الشوارع، وزادت عن السنة الماضية، ليظهروا غضبهم على امريكا، واستياءهم من وضع الرئيس جورج بوش لايران في محور الشر.
المفيد ان اذكر انه في الديموقراطيات المعاصرة، كما في امريكا و بريطانيا، او احياناً في الانظمة الكرتونية، يستعان بتأييد الـرأي العام، لاعطاء شرعيــة للافكار، وياتي الرأي في هذه الحالة مفرغاً من الأيديولوجيا، و لو عبرت عنه مظاهرة، او هكذا يعرض في الاخبار، فالمقابلات وان اجريت، تدار مع الوجوه السياسية اليومية، ومحور الاهتمام، في الدول الغربية، هو الرأي العام المحلي قبل الاجنبي، ولو تقاطع هذا مع احداث دولية حساسة مثل 11سبتمبر، وتتفوق بريطانيا على امريكا، في انها تركز على رأيها والرأي العام في امريكا، اي ان اخبار امريكا تحتل المرتبة الثانية، بعد الاخبار المحلية البريطانية، ثم أوروبا، في ذيل القائمة، بعد الدول المـــركزية في الشـرق الاوسط والعــالم، وتكفي متابعة سريعة لقراءة هذا التوجه، او بتعبير اخر، التجاهل الاعلامي البريطاني لأوروبا، و الاصعب عندما يكون الرأي العام الاجنبي موضوعاً لخبر في نشرات الاخبار الغربيــة، ويتم التعليق عليه اوتحليله بمعـــرفة خبير او صحافي محلي، غريب تماماً، عن مصدر الرأي وخلفياته، وهذه كارثة ثانية...!
غالبية الناس لا يملكون سلطة، خبرة او شهرة، يستطيعون بواسطتها الوصول الى مركز الاخبار او دائرة الضوء فيها، مع وجــــود حالات اعلامية تقــاوم هذه القاعدة، وباستثناء ان الشخص العادي، قد يتحول الى نجم اذا كان ضحية لجريمــة او كارثة طبيعية او شاهد عيان، اوضيفاً على برنامج سؤال اليوم، والسبب احياناً، يخص الأولويات الصحافية التي تحرك مســــار الاخبـــار، وتحـــدد الاصوات التي تصــل اولا تصل، الى جانب قيود الممارسة المفروضة على العمل الاعلامي، ومســوغات نشر او اذاعة وجهــــة نظر و اهمال اخرى، ربما في محاولة لمجاراة ما اسماه ديفيس ميريت ( 1995) باستبداد الوقت، فالمؤسسات الاعـلامية طورت انظمة تحريرية لاختصار الاخبار، والمشكلة انها بهذه الطريقة، كثفت حضور تصريحات وآراء وتفسيرات اصحاب النفوذ والسلطة، يقول غاي توتشمان (1976) بأن الفكر المسيطر على الاعلام، يعمل كشبكة صيد، تمسك بالاسماك الكبيرة، او بيضها الذي يقدمه خبراء العلاقات العامة، و تترك الحكايات الصغيرة للناس العاديين تتسرب.
المؤكد أن الرأي العام كذبة ذكية جداً...!
binsaudb@ yahoo.com