انتخابات طلبة الجامعات.. التوجه والطموح...!؟
بدأت تنتشر ظاهرة انتخابات الطلبة في بعض المعاهد والكليات.. وكان آخرها ما نشرته صحيفة عكاظ يوم الخميس قبل الماضي عن فوز 5 طلاب بمقاعد الطلاب بمجلس كلية الأمير سلطان للسياحة والفندقة. ظاهرة عصرية تتفاعل نحو ترسيخ قيم وحركة المجتمع المدني، ليوازي مؤسسات الدولة الرسمية (الحكومة)، في تشكيل مُنَظّم لمدخلات البيئة المحلية، في النظام السياسي السعودي لرفع كفاءة مؤسساته وضمان فاعليتها، من أجل تحقيق الغاية المنشودة في الاستقرار السياسي.. والسلام الاجتماعي.. ورفاه الفرد.. والازدهار الاقتصادي.. والمنعة الأمنية، داخلياً وخارجياً.
العملية كما يبدو تسير ببطء، حتى يتسنى تقييم التجربة في بعض عينات من المعاهد وكذا الكليات والمعاهد الخاصة. بشكل عام: توجه يتصف بالحكمة ويمكن اعتباره أحد مؤشرات مظاهر التنشئة السياسية في المجتمع، نحو مشاركة أكبر للمواطن في الشأن العام، لتحدث النقلة النوعية المرجوة.
ولكن انتخابات الطلبة، لا تعني الكثير إذا ما كان التوجه نحو استيعابها في إطار مؤسسات التعليم الرسمية. جاء، في نفس الخبر: أن الطلبة الخمسة انتخبوا لتبوء مقاعد الطلبة، في مجلس الكلية...!؟ معروف أن عضوية مجالس الكليات تتكون أساساً، وبصورة حصرية من عميد الكلية ووكلاء الكلية ورؤساء الأقسام العلمية وربما بعض الأساتذة الآخرين في الكلية.. وأحياناً قد يحضر بعض جلساته قيادات الجامعة الأكاديمية والإدارية. هذه الصفة الأكاديمية، ذات الطابع الإداري المحدود المكون من عناصر أكاديمية في الأساس، هو ما يتشكل منه عادةً مجلس الكلية، كأحد مؤسسات الجامعة الأكاديمية والإدارية الرفيعة. ولكن لم يحدث أن كان في مجالس الكليات مقاعد للطلبة فيها...!؟
المكان الطبيعي للعناصر الطلابية المنتخبة، هو: شغل مقاعد اتحادات الطلبة في الجامعات، بلجانها الاجتماعية والثقافية والرياضية والفنية والدينية والسياسية والمالية... الخ، ذات الاهتمام المباشر بنشاطات وقضايا الطلبة في المرحلة الجامعية.

توجه حميد الاهتمام بالتنشئة السياسية
للفرد في مراحل الدراسة المختلفة

اتحادات الطلبة، كمؤسسة غير رسمية في الجامعات، من أهم مواصفاتها الإبقاء على استقلاليتها عن مؤسسات الجامعة الرسمية، حتى تتمكن من القيام بما اُُنتخبت لأجله من قبل الهيئة الطلابية الناخبة لخدمة مصالحها، وتعظيم عائدها من موارد العملية التعليمية، بل وموارد النظام السياسي، بصورة عامة، بعيداً عن أي علاقة (رسمية) مباشرة بالكادر الإداري أو الأكاديمي (الرسمي)، في الجامعة، حتى تتحقق إمكانية مشاركة الطلبة الفعلية ليس في بيئة الجامعة التعليمية، فحسب... بل وعلى مستوى المشاركة في مدخلات النظام السياسي، بصورة عامة.
على مستوى العالم كان للطلبة، وطلبة الجامعات بصورة أساسية، من خلال اتحادات الطلاب، كأحد مؤسسات المجتمع المدني، دورٌ حيويٌ فعال، في مدخلات النظام السياسي، من أجل ضمان فاعلية وكفاءة مؤسساته. اتحادات الطلاب، عادةً ما تعكس، في حركتها ونشاطها، المزاج السياسي العام في المجتمع، بالتفاعل النشط مع قضايا المجتمع المختلفة، وليس تلك التي لها علاقة بالبيئة التعليمية، في الجامعات، فقط.
اتحادات الطلاب تعتبر وسيلة حية ونشطة، لتخريج قادة الرأي والفكر في المجتمع.. وكثيراً ما تبرز من اتحادات الطلبة قيادات إدارية واجتماعية للعمل في مجالات الشأن العام المختلفة، ويكون لهم دورٌ فعال في تنمية المجتمع.. والدفاع عن مصالح الوطن، والتصدي لخدمة قضاياه الكبرى، كأهم عوائد استثمار تنشئتها سياسياً، في المرحلة الجامعية.
ما يظهر أحياناً في وسائط الإعلام عن نشاطات لاتحادات الطلاب، موغلة في الشأن السياسي، بصورة غير منظمة وأحياناً عنيفة، يجب ألا يطمس الصورة الحقيقية الإيجابية لنشاطات اتحادات الطلاب المختلفة. وفي الأحوال الطبيعية، يصعب تطور ما نراه أحياناً من سلوك «سياسي» نشط يتسم بالتطرف والعنف، لاتحادات الطلاب في بعض المجتمعات.. ولا لمثل هذا الاستقطاب السياسي الحاد من قبل القوى السياسية المختلفة في المجتمع، لاتحادات الطلاب.
مثل هذه الظواهر السلبية للحياة الجامعية تعكس عدم قدرة بعض المؤسسات الرسمية في استيعاب مدخلات مؤسسات المجتمع المدني، أكثر منه راجع للطبيعة الحادة لمرحلة الشباب، التي يمر بها طلبة الجامعات، بصورة عامة. حتى في المجتمعات الديموقراطية العريقة، نشاهد (أحياناً) مظاهر للعنف في المجتمع الطلابي بالجامعات، احتجاجاً على مواقف سياسية معينة.. أو دفاعاً عن قضايا حيوية. مظاهرات الطلبة في الولايات المتحدة في الستينات، ضد حرب فيتنام، كان مدخلاً أساسياً، في اتخاذ قرار الخروج من الحرب، الذي كان القضية الأساسية لحملة الانتخابات الرئاسية وانتخابات الكونجرس، عام 1968. أيضاً، من حين لآخر، نجد سلوكاً سياسياً نشطاً للطلبة، دفاعاً عن قضايا حيوية مهمة، مثل مناهضة العولمة.. ومناصرة قضايا البيئة والسلام.. ومعارضة لحكومات تلك الدول الديموقراطية، في بعض مجالات سياستها الخارجية.
بشكل عام، توجه حميد ذلك الذي نراه يتطور في قيم وحركة النظام السياسي السعودي نحو الاهتمام بالتنشئة السياسية للفرد.. ويشق طريقه بهدوء وتروٍ نحو تطور ثقافة سياسة عصرية تهتم بمجالات التنشئة السياسية في مراحل الدراسة المختلفة، من أجل تطوير اهتمام المواطن بقضايا مجتمعه الحيوية،على مستوى البيئة الداخلية أو الخارجية، عن طريق فتح مجالات المشاركة في نشاطات العمل الطلابي المختلفة، بدايةً من مرحلة الدراسة الأولى مروراً بمرحلة التعليم الجامعي، وصولاً إلى المشاركة البناءة والإيجابية، في الشأن العام، مستقبلاً.
وحتى تكتمل حلقة التنشئة السياسية، بالنشاط الطلابي في الجامعات، لابد أن يكون النشاط الطلابي في جامعاتنا من خلال اتحادات طلاب منتخبة مستقلة، منظمة ومقننة ومؤطرة، ضمن مؤسسات المجتمع المدني (غير الرسمية)، من أجل أن تتحقق الغاية من وراء استيعاب مدخلاتها ضمن فعاليات النظام السياسي، بهدف تحقيق الكفاءة والفاعلية وفي ظل نشاط سياسي حضاري بناء سلمي متسامح سلس ومرن.