على خفيف
ولِمَ تخاف على مشاعر الموتى؟
قرأت في أحد أعداد مجلة «الحج والعمرة» الصادرة مؤخراً وهي مجلة ثقافية فكرية رصينة تطورت كثيراً خلال السنوات الأخيرة، قرأت في هذه المجلة تقريراً عن جامع قرطبة الكبير الموجود بمدينة قرطبة الإسلامية سابقاً الإسبانية حالياً، فلاحظت أن مخرج المجلة قد غطى الصليب المرفوع على منارة الجامع حتى لا يظهر في الصورة المصاحبة للتقرير ربما حرصاً منه على مشاعر المسلمين من قراء المجلة، من أن تستفزهم صورة الصليب المرفوعة في نهاية المنارة بعد أن أزيل الهلال الرمز الإسلامي من مكانه في أعلى المنارة وعلق مكانه الصليب قبل نحو ثمانمائة عام، بعد أن دهم النصارى قرطبة واحتلوها وعاثوا فيها فساداً وحولوا مسجدها الجامع إلى كنيسة كبرى وعبثوا في رسومها وبعض زخارفها، وأسكتوا صوت الأذان في ذلك الجامع بعد أن ظل يرفع من منارته ما يزيد على أربعمائة عام هجري.
ورغم تقديري لمشاعر مخرج مجلة الحج وقيامه بتغطية الصليب بطريقة فنية وبغضّ النظر عن هدفه النبيل المتمثل في عدم جرح واستفزاز المشاعر الإسلامية الطيبة، إلا أنني أرى أن ما حصل لا يغير في واقع الأمر شيئاً. فهناك عشرات الملايين من المسلمين ومن غيرهم يزورون قرطبة سنوياً للسياحة ومشاهدة الآثار الإسلامية ويرون الصليب معلقاً فوق منارة جامع قرطبة والأجراس تدق فيه كل صباح يوم أحد ومسائه، والأذان صامت ومحرابه مهجور وقد وضع حوله سياج بزعم حمايته آثارياً ولكن الهدف ألا يتمكن زائر مسلم من الصلاة في المحراب ركعتين تحية للمسجد، وقد زرت قرطبة ضمن زياراتي المتعددة لإسبانيا فآلمني ما وصل إليه جامعها التاريخي من سوء أحوال وأحزان جرها عليها وعلى الأمة ملوك الطوائف المتنازعون على الدنيا الفانية، وما أكثر أشباههم في عصرنا هذا من زعماء المسلمين، فكان تنازعهم وتفرقهم عامل تشجيع وقوة للنصارى الذين تجمعوا ودهموا مدن الأندلس وقتلوا مئات الآلاف من شعوب دويلات الطوائف ولم يزل المسلمون حتى يومنا هذا يتحسرون على الأندلس الفردوس المفقود الذي أصبحت بعض مساجده الصغيرة في مدريد وطليطلة وقرطبة وغرناطة مراقص «لدبكة الفلمنكو» وقد رأيت ما ذُكر رأي العين!!! ولم تزل في بعض تلك المراقص عبارة «لا غالب إلا الله» مكتوبة على الرخام الملون بالخط الكوفي الجميل!
والحاصل أن خوف مخرج مجلة «الحج والعمرة» على مشاعر المسلمين الذين قد يقرأ بعضهم المجلة فيرى فيها الصليب على منارة الجامع، خوف ليس في محله فإنك لا تسمع الموتى، ولا الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين، وقد أصبح السياح منهم يدخلون جامع قرطبة ويتأملون نقوشه ويهتفون باسم التحضر قائلين يا سلام على الفن الجميل، بينما تكون الأجراس تطرق رؤوسهم مذكرة إياهم بواقع أحوالهم المزرية ولكن الموتى لا يتذكرون ولا يحسون!
أضف تعليقك