من الحياة
د. رشيد بن حويل البيضاني
البطانة
البطانة مصطلح تراثي يُراد به المقربون من كبار المسؤولين، وهم تلك المجموعة التي تمثل حركة الوصل بين شخص واحد يتولى أمراً من أمور الناس، وسائر الناس. ويمكن أن نجد هذه البطانة في كل عصر وزمان، وفي كل مؤسسة ومصلحة وهيئة، وبخاصة تلك الهيئات الحكومية الخدمية التي ترعى أمور المواطنين وتعالج قضاياهم. وقد تتغير المصطلحات مع الزمن، واتساع المهام، فنجد هذه البطالة في عصرنا الحديث فيما يسمى بمكتب خدمة المواطنين في بعض المصالح والوزارات، أو في «سكرتارية» كبار المسؤولين، أو في مكتب «مدير» المدير العام، وما شابه ذلك من مصطلحات تشير إلى مفهوم البطانة ودورها، بشكل أو بآخر. ولهذه البطانة، وأفضل هذه التسمية لأنها معبرة بصدق عن وضع هذه المجموعة المشار إليها، فبطانة الشيء هي الأقرب التصاقاً به، ومن ثم يسعى الإنسان إلى اختيار أفضل بطانة، لتكون من عوامل الاستقرار له والراحة والسكينة وانجاز العمل.. والبعض يركز دائماً على اختيار هذه البطانة، فيضع المعايير المختلفة لمن يقومون بتسيير الأمور، وقضاء المصالح، ولعل أهم ما ينبغي أن يتوفر في هؤلاء: الصلاح والتقوى وخشية الله والصدق والصبر وحب الناس وحب الوطن وصفات أخرى عديدة، أراها لازمة لكل من تبوأ مكانة له في باطنة ما. فلو فقدت البطانة هذه الصفات، فلنا أن نتخيل ما يمكن أن تصير إليه حال هذه الإدارة، أو تلك الجهة.
بطانة فاسدة، لا يمكن أن يقضي على يدها مصالح الناس بكل يسر. بطانة فاسدة، لا تخشى ربها، لا تنقل حقيقة ما يجري إلى المسؤول. بطانة كاذبة، تلفق الاتهامات، ولا ترقب في مواطن إلاً ولا ذمة. بطانة تفتقر إلى الصبر، تضج من إلحاح أصحاب الشكاوى والحاجة، وتعبس في وجوههم. بطانة تكره الناس، وتتعالى عليهم، لا يمكن لها أن تفكر في من يتوافدون عليها، وفيهم صاحب الحاجة، والملهوف، والمحروم، والمظلوم. كثيراً ما تواجه شخصاً عبوساً، يصيح في الناس، لا يريحهم ولو بكلمة يتصدق بها عليهم، وتراه يمثل مسؤولاً.. هؤلاء الأصناف من «البطانات» هم أسوأ واجهة لمن يمثلونهم، ويسيئون إلى رؤسائهم أكثر مما ينفعونهم، فكثيراً ما وقفوا ضد حاجات المواطنين ومصالحهم، فإذا تمكن المواطن من مقابلة من بيده الأمر، حلت مشاكله، بل ووجد ترحاباً وبسمة على وجه ذلك المسؤول.
فما بال هؤلاء يمنعون الخير عن الناس، ويسيئون إلى من أوكلوا لهم مهمة الوصل بينهم وبين المواطنين.
أقول هذا كله كي يفكر كل راع، وكل مسؤول، مهما كانت درجته، ومهما كان مركزه، مادام الله تعالى قد ولاه أمراً من أمور المسلمين أن يحسن انتقاء واختيار عناصر بطانته، لأنهم يمثلونه، وهم واجهته له، وقد يزينون هذه الواجهة بحسن التعامل، وقد يسيئون إليها كثيراً.. لابد من أن يضع المسؤول معايير أخلاقية، ومهنية، وإنسانية عندما يُفكر في تعيين طاقم العاملين معه من سكرتارية، وموظفي خدمات ومديرين، لأنه -وقبل أي شيء- مُحاسب هو على قضاء مصالح الناس، فهو الذي أوكل إلى هذا الشخص أو ذاك مهام حل المشاكل، والنظر في القضايا والمصالح.
لذلك كله، رأينا خطباءنا على مر عصورنا يدعون بصلاح البطانة، فهي سبب صلاح الأمور.
فاللهم ارزقنا، وارزق كل من تولى أمراً من أمور المسلمين بطانة صالحة راشدة، تعينه على الحق، وترشده إلى الصواب.
أضف تعليقك