بدأتُ كتابة هذا المقال في أغرب الأماكن على كوكب الأرض... مكان يقطع الأنفاس ويحبسها... كنت بداخل أحد أشهر القبور في العالم وهو أكبرها على الإطلاق... ولم يكن سبب زيارتي له لأنه قبر ولكن لأنه أحد أهم التحف المعمارية في العالم... والدخول إلى منشأة كهذه يتطلب استعدادات ذهنية ونفسية وبدنية أيضاً... مثل دخول مبنى الأحوال المدنية أو مطار جدة مثلاً... ولكن عناصر التميز العمراني كلها متوفرة... ارتفاعه يعادل طول طائرتي بوينج 747... حوالى ضعف ارتفاع مبنى الفرع الرئيس للبنك الأهلي في جدة... وعرضه يفوق طول أربعين سيارة لاندكروزر... وحجمه يستطيع نظرياً أن يحتوي بداخله أكثر من 487411886 كرة قدم... يعني حوالى نصف بليون... ولكنه عملياً لا يستطيع استيعاب ولا واحد على الألف من هذه الكميات لأن معظمه جماد والفراغات المفيدة بداخله ضئيلة ومحدودة للغاية... وفي الواقع لو قدم تصميم الهرم أي طالب في سنته الأولى في أي برنامج للهندسة المعمارية ففي الغالب أنه سيرسب بسبب المبالغة في الكتل التي لا تضيف لفائدة المبنى... وبالرغم من ذلك فهو إحدى عجائب العالم السبع.
وقد حافظ على هذا اللقب لمئات بل ولآلاف السنين... كل هذا «الهيلمان» هو عبارة عن مقبرة لشخص واحد فقط لاغير... طبعاً كانت شخصيته «بطرانة»

كيف نبرر بناء أعظم مقبرة
باستخدام 100 ألف عامل لعشرين عاماً؟

بمعنى الكلمة... وسبحان الله فقد دخلت لأستكشف الهرم من الناحية المعمارية فوجدت أن عجائبه النفسية والحضارية أغرب بكثير... كيف يمكن تبرير أن تبني مقبرة كهذه باستخدام أكثر من مائة ألف عامل على مدى عشرين سنة؟ وحسب علمي فمعظم هؤلاء العمال الغلابة عاشوا على وجبة مكونة أساساً من الخبز والماء والبصل... وفي حضارة الفراعنة تم تكريس العديد من الموارد الثمينة للموتى لدرجة أن هناك كلمة غريبة جداً في مصطلح الحضارة الفرعونية وهي «نكروبوليس» Necropolis وتعني مدينة الأموات... تخيل مدناً بأكملها مكرسة للأموات... وكانت هذه من المكونات الحضارية الأساسية لعمران الفراعنة... وبالمناسبة فكلمة «بوليس» Polis تعني المدينة باللاتينية... وسبحان الله أن بعض الحضارات قد توراثت أهمية القبور كعناوين حضارية مهمة، وقد فوجئتُ أثناء زيارتي لمسجد الرفاعي التاريخي في قلب القاهرة القديمة بأنه يحتوي على قبور الملك الأخير لمصر فاروق، وأبيه الملك فؤاد، وجدته الملكة فريال... وفي القاعة المجاورة وجدت قبر شاه إيران السابق محمد رضا بهلوي وأصبتُ وولدي (رعد) بالذهول عندما حضر بعض الزائرين الإيرانيين وقبلوا وبدون أي خجل قبر حاكمهم السابق، والله يهدي القوم الضالين... ولكن عجائب القبور لم تنته هنا فعلى بعد بضع خطوات من المسجد تقع «مدينة الأموات» حيث يلجأ بعض من فئات الفقراء في القاهرة إلى استعمال أراضي المقابر كمأوى، بل وكمسكن لهم حيث يعمرون مساكنهم في نفس مواقع القبور... وتحديداً فهناك شريط من المناطق العشوائية المبنية وسط وحول المقابر في المنطقة المحيطة بقلعة صلاح الدين الأيوبي في القاهرة التاريخية.. وهذا بسبب أزمة الإسكان التي أدت إلى محاولات لاستخدام كل سنتيمتر من الأرض للسكن، وكأنه صراع بين الأحياء والأموات على الأرض... ولكن هناك ما هو أغرب من كل هذا ففي القدس صراعات على الأرض وتحتها بين احتياجات الموتى من العرب واليهود... ومنذ فترة تسعى بلدية القدس إلى محاولة لمضايقة العرب سواء كانوا من الأحياء أو الأموات، وآخر هذه المحاولات تجسدت في مشروع إقامة متحف «التسامح»... «يعني يعني» وكأنه تسامح فعلاً... وتبنت هذا المشروع منظمة «فيزنطال» كما جاء في تصريحات ممثلها بني كوهين... وبالمناسبة اسم كوهين باليهودية معناه الكاهن، ولذا فهو من الأسماء السائدة لأنه يعتبر وكأنه من شيوخ اليهود... ما علينا.. المهم في الموضوع أن مقبرة «مأمن الله» التاريخية أو «ماميلا» كما يسميها الصهاينة التي تقع شرق القدس العتيقة أصبحت الآن ساحة لمناورات إقامة متحف التسامح.. وحسبنا الله ونعم الوكيل.
أمنية
أتمنى أن نتذكر نعم الإسلام في الحياة وبعد الوفاة أيضاً حيث لا تجد المغالاة ولا التهاويل..
والله من وراء القصد.