أعطى الحوار الوطني السادس في الجوف دفعة نوعية جديدة لمساره التراكمي، من خلال الحراك الذي دار على طاولته وبين أروقته بمذاق جديد. فموضوعه لم يكن أسخن من المواضيع السابقة، لكنه يتساوى معها في الأهمية. وجلساته لم تكن أكثر إثارة من الحوارات الخمسة السابقة، لكنها تميزت بحضور المعنيين من الوزراء بموضوع « التعليم...الواقع وسبل التطوير» الذي كان عنوانا للمرحلة السادسة من الحوار الوطني في الجوف بين 28 و30 نوفمبر الماضي. وشفافيته لم تقل عما كانت عليه في المراحل السابقة، ولكنها في هذه المرحلة امتازت بنمط رقابي عبر مساءلة المسؤولين عن واقع التعليم ومستقبله، وبالتالي الاستماع المباشر إليهم ومناقشتهم ونقدهم وتقديم التوصيات المناسبة لوزاراتهم.
بمعنى آخر، ساهم الحوار الوطني الأخير في إدخال العنصر الرقابي على الجهات المنفذة لسياسات الدولة في الشأن والمحور الذي يتصدى له المتحاورون. وهذا يُعيد الجدل القديم – الحديث، حول ضرورة وأهمية دور الرقابة في المجتمعات والدول أو عدم الحاجة إليه. وتنقسم المجتمعات في العالم حولها إلى مؤيد لوجودها ومعارض لها وإلى دعاة التوافق بين مواقع ومواضيع الحاجة لها ومواقع ومواضيع استبعادها.
قد يخشى البعض من وجود حالة الرقابة, بصورة عامة، فيقف ضدها

الحوار الوطني صيغة لمشاركة المواطن
في ممارسة الرقابة على السياسات التنفيذية

دائماً. وقد يطالب البعض الآخر بها، بصورة عامة أيضاً، فيتبنى وجودها في كل مناحي الحياة الاجتماعية والثقافية والسياسية. هذا التباين في الرؤية إلى الرقابة منشؤه الفهم المغلوط لها، والتركة العالقة في الذهن عنها، واختلاف التجارب سلباً وإيجاباً في التعاطي معها، وحجم انفتاح أو انغلاق المجتمع على الثقافات الأخرى ومحيطه، ومدى ارتباط الفرد والمجتمع بالتراث الفكري أخذاً وعطاءً...
الذين يخشون من وجود الرقابة، بالصورة المطلقة، لا يريدون، كما يزعمون، أن تتحول الرقابة الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية إلى عقبة أمام خطوات التحديث والتمدن، وبالتالي تتحول إلى أداة تعطيل للخطط التنموية، وبالتحديد عندما تتأدلج الرقابة فتسعى إلى تهميش الآخرين وفرض الرؤية الأحادية على جميع الأطياف التي يتكون المجتمع منها، ومن ثم تنعدم الحرية، التي يسعى أصحاب هذا الرأي للدفاع عنها، كما نظم بعضهم مهرجاناً عالمياً للأدباء والكتاب في تورنتو بكندا في 20 من أكتوبر الماضي من أجل عالم « بلا رقابة» الذي اتخذوه عنواناً لهم.
أما المطالبون بها، بالصورة المطلقة، فيريدون منها، كما يزعمون، حماية المجتمع وثقافته وقيمه وتراثه من الثقافات الدخيلة، ومن الإعلام المتنوع غير المنضبط، ومن انعكاس الأوضاع السياسية المحيطة، للحد من انفلات المجتمع، وبالتالي المحافظة على هويته.
إن الحوار الوطني بأدائه الأخير يعبر عن صيغة من صيغ مشاركة المواطن في ممارسة الدور الرقابي للسياسات التنفيذية ونظمها وإجراءاتها، وإبداء الرأي فيها، وبالتالي هي مشاركة في عمليات الإصلاح والتنمية. وكلما نبعت الرقابة من المجتمع ذاته كانت أقرب للتعبير عن نبض الشارع بغض النظر عن قبول النخبة والمسؤولين عنها أم لا، ما دامت تأتي في سياقات قانونية، أي بصورة «الرقابة المتحضرة»، فالنقد للأعمال الأدبية هو نموذج لممارسة الرقابة. وقد تكتسب الرقابة سلطة متقدمة وفاعلة ومحركة في بعض المجتمعات كالرقابة البرلمانية، أو الرقابة الدستورية التي تعمل على فك النزاع بين البرلمان المشرع للقوانين ومدى موافقتها للدستور أو مخالفتها له.
فالرقابة لا تعني تعطيل الحياة، أو عرقلة الأنظمة، إنما تعني المحافظة على صحة المسارات عبر ممارسة دور ايجابي لتقوية البناء ودعمه، لذا نجدها من العناصر الأساسية لإدارة الأعمال الناجحة في عالمنا اليوم. وهي لا تعني فقدان الثقة بالعاملين والمسؤولين، وإنما تعني إعطاء العمل دفعات مستمرة لرفع مستوى الجودة في الأداء والإنتاجية والارتقاء بالعمل والعاملين، والحوار الوطني يصب في هذا الإطار، فكان بمثابة الرقابة الذاتية بين المواطن والوطن. والله من وراء القصد.
ص.ب 2421 الدمام 31451
kshabib@hotmail.com