العدالة.. قبل «العولمة»..!
تفرض «العولمة»، التي بدأت تجتاح العالم منذ حوالى عقدين، التأكيد على الديمقراطية، وحماية حقوق الإنسان سياسيا. كما تفرض «الخصخصة»، وتقليص «التدخل» الحكومي – بشتى صوره – في النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعوب، ونهج الأسلوب «الرأسمالي»، اقتصاديا. وهى بذلك تهدف إلى : حصر نشاط الحكومات في ما يسمى بـ «الأعمال الأساسية» فقط، التي تتضمن : توفير الأمن وحفظ النظام، وحماية الحريات العامة المختلفة، وضمان تنفيذ القوانين، وإدارة العلاقات الخارجية.
أما اغلب النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعوب، فيتولاه «القطاع الخاص». إن «العولمة» بذلك – وبناء على الاتفاقيات السياسية والاقتصادية المؤسسة لها – يمكن أن تسير في اتجاه معاكس لمصالح الكثير من الشعوب، من الناحية الاقتصادية بالذات. فما زالت معظم حكومات العالم الثالث في أمسّ الحاجة إلى «التدخل» الحكومي ( الرشيد )، في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها... كي تقلع من مستنقعات العوز والتخلف، إلى فضاءات التقدم والازدهار.
فـ«التدخل» الحكومي، المحمود، هو المتجسد في : سن القوانين المنصفة والنظم العادلة، المنظمة للنشاط الاقتصادي والاجتماعي، والهادفة للحيلولة دون أن يأكل القوي الضعيف، وتلبية «الاحتياجات الأساسية» للمحتاجين من مواطنيها.... ولو اقتضى الأمر تملك – وإدارة – الكثير من منشآت الخدمات العامة، ولو إلى حين. بل ان كل دول العالم ( تقريبا ) المتقدم منها والمتخلف، في حاجة ماسة ( ودائمة ) إلى قدر من «التدخل» الحكومي.... لتحقيق هذه الأهداف النبيلة. فالحرية الاقتصادية المطلقة يمكن اعتبارها – في اغلب الحالات – مفسدة مطلقة... تماما كما أن «السلطة المطلقة مفسدة مطلقة»....
كما أن الدول الريعية ( Rentier States ) اى تلك الدول التي تسيطر حكوماتها على ثروات طبيعية - تنتج بكميات

طالب عديد من المفكرين بأنسنة
العولمة لتفادي ما ينجم عنها من اضرار

تجارية - يتوجب عليها أن «تنفق» ريع هذا المورد أو ذاك، على تنمية ورفاه شعبها، باعتبار الملكية العامة للموارد، و أن الشعوب هي صاحبة الثروات الطبيعية. وبقدر الريع المتحقق من هذا المورد أو ذاك، على الحكومة – أي حكومة – أن تنفق على شعبها.... في هيئة : عوائد وخدمات، وإعفاءات.... تنعكس ( بالإيجاب ) على حياة ورفاه ونمو شعبها، وسد احتياجاته الملحة. وذلك يتطلب ولا شك «تدخلا» حكوميا، في النشاط الاقتصادي والاجتماعي، من منطلق توزيع العوائد... بصوره العديدة المختلفة.
وكلما زاد الريع - نسبيا - توجب على الحكومة أن تدير دولة رفاه (Welfare State) لصالح شعبها، وبما يخدم قيمه ومصالحه العليا. والجدير بالتذكير هنا هو : وجود بعض الحكومات التي تستمد معظم شرعيتها من ما تحققه من «إنجازات» لصالح الوطن والمواطن، تنفذ – اي الانجازات - بالإنفاق الحكومي. وهذا «التدخل» – على اى حال – يعتبر «معضلة»، بالنسبة لتيار العولمة.... الذي يبغي- كما اشرنا - كف يد الحكومات عن «التدخل» في النشاط الاقتصادي والاجتماعي لشعوبها.
وقد تنبه العديد من المفكرين السياسيين والاقتصاديين ( الغربيين وغيرهم ) لهذه المسألة.... فرفضوا فكرة حظر «التدخل» الحكومي، على إطلاقها، ونادوا بضرورة ووجوب هذا التدخل، في حالات كثيرة، منها : حالات الدول الريعية. بل إن معظم هؤلاء يعتقدون أن على كل حكومة أن تبذل قصارى جهدها لتوفير ما يعرف بـ «الحد الأدنى من العيش الكريم» لشعبها.... ذلك «الحد» الذي يتمثل – في رأيهم – في ما يلي :
- توفير الرعاية الصحية الوقائية والعلاجية الأساسية للمواطنين، مجانا.
- إجبارية التعليم ومجانيته، حتى نهاية المرحلة الثانوية – على الأقل.
- توفير فرص العمل لكل القادرين عليه من مواطنيها، ومساعدة من لم يجد عملا – بقدر مناسب – حتى يعمل.
- تقديم المساعدة المناسبة للمحتاجين، وغير القادرين على العمل ( الضمان الاجتماعي ).
- إعانة المواطنين المتضررين من الكوارث الطبيعة، وغيرها.
ولـ «تمويل» عملية القيام بتوفير هذا الحد الأدنى ( من «العيش الكريم») من الطبيعي، والمنطقي، أن تعتمد الحكومة – أية حكومة – على ما قد يكون لديها من «ريع» – من مورد طبيعي أو غيره. إضافة إلى : فرض ضرائب على القادرين من مواطنيها (عند اللزوم، وفي حالة الحاجة الحكومية الماسة) للتمكن من القيام بهذا العمل الضروري، وكأن الحكومة - في حالة الاضطرار لفرض ضرائب لهذا الغرض - تأخذ شيئا من الأغنياء، لترده على المحتاجين من مواطنيها. وكم طالب المفكرون بـ «انسنة» العولمة، ومنع ما قد ينجم عنها من أضرار.... تلحق بالغالبية ( المحتاجة ) ومن ذلك كف يد الحكومات عن إعانة شعوبها.
كل هذا يعني : انه، ومع التأكيد على ضرورة – وفائدة – تولي « القطاع الخاص» اكبر قدر ممكن من النشاط الاقتصادي والاجتماعي للشعوب، فان وظيفة الحكومات يجب أن تتعدى «الأعمال الأساسية»... لتشمل القيام بقدر ( يتناسب مع وضعها، وإمكاناتها، واحتياجات شعوبها ) من ما يسمى بـ «الأعمال الضرورية»... التي تعنى : التدخل الحكومي بما يخدم مصلحة مواطنيها.
أما حظر «التدخل» الحكومي تماما، أو وقف قيام الحكومات بالأعمال الضرورية، فهذه فكرة لن ترى النور طويلا – مهما كان تيار الخصخصة قويا، ومهما بلغ عتوّ رياح العولمة الهوجاء- فالحظر التام للتدخل الحكومي أمر غير عملي، و يرفضه المنطق، والواقع البشري... قبل أن ترفضه المشاعر الإنسانية السوية.