الرواية السعودية.. ومأزق الإبداع
يبدو لي كمتابع لما يُطرح في ساحتنا الأدبية النشطة من «طوفان» في مجال الرواية السعودية.. أننا نعاني من مأزق حقيقي في فهمنا لماهية العمل الأدبي والروائي تحديداً، وغياباً واضحاً للقيمة الفنية لما يُكتب. المهم، أن تطرح عملاً تعري من خلاله ذاتك ومجتمعك، وتفتح غرفة نومك، وتشرع ستائرها، وتبوح بأسرارها لكي يقرأها الناس وتصبح على ألسنتهم.. دونما اعتبار لأية قيمة إبداعية أو أخلاقية.
وأزعم أن احتفاء وتضليل بعض النقاد -مع تحفظي على التسمية باعتبارنا لا نملك نقاداً حقيقيين لفن الرواية- قد ساهم بشكل أو بآخر في ذيوع ما نراه من روايات بدائية تفتقر -في تقديري- إلى أدنى حد من حرفية الرواية الحقة.
من هنا، ولج إلى عالم الرواية كل من هب ودب من عديمي الموهبة، والمغمورين الذين لم يسبق أن قرأنا حرفاً واحداً لهم. المهم أن تكتب عن «المطاوعة» و«بنات الرياض» و«بنات جدة غير» و«شباب الرياض» وغداً عن «جمس الهيئة» وهكذا..!!
أنا لا أصادر حق الناس في أن يكتبوا، ويبثوا شجونهم، وينفسوا عما يعتلج في صدورهم.. لهم أن يكتبوا ما يشاؤون.. لكن بدون تسميتها «رواية»!
الرواية.. كما نفهمها.. عمل أدبي شاق، ومضن، ويمر بمخاضات شتى، ويحتاج بالضرورة إلى مبدع ذي رؤية متجاوزة، ويملك أدوات تؤهله لكتابة عمل ذي قيمة، وفوق ذلك يملك تجربة وتمرساً في

ما يمس خصوصية الإنسان وحميميته
وجد طريقاً سالكاً للنشر والشهرة

الكتابة الأدبية.
فـ(نجيب محفوظ، والطيب صالح، وحنا مينه، وعبدالرحمن منيف) وغيرهم من رواد الرواية العربية الحديثة كانوا مبدعين حقيقيين في القصة والمقالة قبل أن يكونوا روائيين كباراً.
الذي نلحظه اليوم.. أن هذا الفن الأدبي المخاتل قد خاض فيه الخائضون ممن لا يملكون الموهبة، والرؤية الناضجة، والإلمام بشروط الرواية.. باعتبارها إبداعاً لا مكان فيه للطارئين، والمتحمسين، والباحثين عن الشهرة.. بحيث رأينا العجب ونحن نقرأ تلك الروايات -مجازاً- التي تقدمها دور النشر الخارجية- بعضهم اتهمها بالإضافة والحذف في روايته- دون الالتفات إلى القيمة الفنية للعمل. المهم أن تدفع وأن ندفع بالدولار.. والمهم أيضاً أن تقول شيئاً غير مباح، وغير جدير بالبوح.. عن مجتمع محافظ متشبث بقيمه.
للأسف، أغلب رواياتنا لا ترتقي إلى مستوى الأعمال الروائية التي تستحق أن تُقرأ إذا استثنينا أعمالاً تعدّ على الأصابع، ولا تقدم للقارئ العربي ما يقنعه بأن هناك رواية سعودية حقيقية ملفتة وتستحق أن تُقرأ!
ولعل شهوة الذيوع، وغواية الخروج عن المألوف قد شجعا الكثيرين على أن يكتبوا دون دراية بماهية العمل الروائي أصلاً؛ وكنت أتساءل بعد قراءتي لتلك الأعمال.. كيف أجيزت وكيف خرجت إلى الناس وبهذا الشكل العبثي والفج؟!
وفي ظني أن تلك الأعمال قد وجدت في تعرية ما يدور في الغرف المظلمة، وما يمس خصوصية الإنسان، وحميميته طريقاً سالكاً للنشر والشهرة.. بحيث أصبح كتابها ضيوفاً للصحف والفضائيات.. ولعلهم لم يأتوا بجديد في طرحهم.. فقد سبقهم إلى هذه العوالم السفلية، عالم الظل والآهات الليلية كُتّاب آخرون في الوطن العربي، ولكننا يجب أن نفرق بين عالمهم السفلي الذي يعيشونه، وعالمنا السفلي الذي بالكاد نجد فيه ما يوازي عالم محمد شكري- في «الخبز الحافي». و«عابر سرير» أحلام مستغانمي- مثلاً.
لسنا ملائكة، ولا نعيش في مدينة أفلاطون الفاضلة.. لكننا بالتأكيد مجتمع تبدو فيه القيم الأخلاقية واضحة وجلية، وتستحق أن تُراعى.
نريد أن نقرأ روايات تنحو منحى: «موسم الهجرة، وعالم بلا خرائط، وشرق المتوسط، والحي اللاتيني، وقنديل أم هاشم».
لماذا لا نُحاكي هذه الأعمال الخلاقة التي تقدم قيماً، وفناً، ورؤى تبحر بنا إلى عالم مدهش، بدلاً من أن نكون صوراً مشوهة من أعمال قميئة، وممسوخة، ولا تقدم فناً حقيقياً.
الرواية الحقيقية في النهاية.. هي الرواية التي تُحلّق بك صوب الفضاءات المبهجة، وتمطرك برذاذ المعرفة والتجلي والمتعة.
نحن بحاجة إلى رواية سعودية حديثة تقدم للقارئ رؤية واضحة لا لبس فيها لحالة المجتمع السعودي الحديث الذي بات يتشكل وفق منظومة من الحراك الفكري والاجتماعي والديني، نريد رواية تذهب بنا بعيداً إلى عالم التنوير والإصلاح والقيم المثلى.
الرواية الحقيقية هي تلك التي تحرضك على أن تتفاعل معها، وتخلق لديك وعياً جديداً.. يقودك إلى فضاء معرفي ملهم، وغير عادي!!
تلفاكس 076221413