جلست فى مقعدي رقم 14 الذي يقع فوق مقدمة جناح البوينج 747 الجامبو... وشرد ذهني كالعادة خارج نافذة هذه الطائرة العملاقة... جناح هذه البوينج عجيب فعلا لأن زاويته نسبة الى جسم الطائرة تبلغ سبع وثلاثين درجة ونصف الدرجة فقط لا غير وهي أكبر درجة انحناء فى عالم الطيران التجاري... تخيل مقدار هذه الدقة للجناح الذي تبلغ مساحته حوالى خمسمائة وأربعة وعشرين مترا مربعا... أكبر من إجمالي مساحة منزلي... ويقال إن كل جناح ناجح وراءه حكايات، ولا عجب فى ذلك فهو أصعب جزء فى تصميم وتصنيع الطائرات، وخصوصا «علبة الجناح» وهي الجزء الملاصق لجسم الطائرة... ويحكى أنه أثناء تصنيع أول طائرة جامبو فى عام 1968 اكتشف المصممون أن الجزء الخارجي من جناحها لم يكن بالقوة الهندسية المطلوبة لحمل وزن المحركات مما استدعى الحاجة لإعادة تصميمه... وإعادة تصميم الجناح هي عبارة عن «خبيصة» فنية ومالية لأية شركة لما تتطلبه من تعديلات جوهرية وإعادة تصنيع وتأخير فى الانتاج... ولكن بعد أن تم تكريس آلاف الساعات لحل المشكلة، تم إيجاد الحل الهندسي

في كل مكان نرى روائع الخالق لا تقارن
عظمتها بما ينتجه المخلوق

الذي يتمثل فى التواء الجزء الخارجي من الجناح بمقدار ثلاث درجات فقط بالزاوية التي يواجه بها الهواء... تخيل هذا الجناح العملاق الذي يحمل بداخله ثماني عجلات ضخمة وتتعلق عليه أربعة محركات نفاثة ضخمة كل منها يفوق وزن ثلاث من سيارات اللاندكروزر... ويفوق وزنه إجمالي وزن حوالى ثلاثين سيارة كامري... حققوا الالتواء البسيط فتغيرت خصائصه وارتفعت فعاليته ارتفاعا هائلا... وأصبح من أفضل الأجنحة فى العالم من حيث فعاليته فى الرفع... وللعلم فالبوينج 747 تحمل أثقل الأوزان، وهي ايضا أسرع طائرة مدنية تجارية فى العالم اليوم بالرغم من حجمها الضخم جدا... وخلال كل هذه التأملات كانت طائرتنا تحلق ورأسها مرفوع بزاوية درجتين ونصف الدرجة نسبة الى الهواء المار عبر أجنحتها بسرعة حوالى مائتين وأربعين مترا فى الثانية الواحدة... وهنا لابد من وقفة صغيرة للإشادة بالطائرات التي تطير بزوايا إيجابية فهي تطير «مرفوعة الرأس»... وللعلم كانت طائرة «اللوكهيد ترايستار» التي شغلتها «السعودية» لسنوات أكثرهن إثارة فى رأسها المرفوع أثناء طيرانها وكأنها تقول لزميلاتها «وسعو»... ما علينا، فهناك ما هو أغرب من كل هذا وتجده لدى إحدى أصغر المخلوقات الطائرة، فانظر فى الرقصة التي تؤديها النحلة فى الهواء أمام زميلاتها لتنقل لهن إحداثيات موقع الزهور... تلف وتدور هذه الحشرة الصغيرة بمشيئة الله بزوايا إرشادية لتعبر بدرجات التفافها فى الهواء عن مواقع الزهور لدعم دقة ملاحتهن نحو رزقهن... وبمناسبة ذكر روائع النحل نجد أن عمران النحل يعتمد على انشاء خلاياهن بزوايا قدرها 120 درجة وهى التي تكون الشكل السداسي الجميل والمميز فى ذلك العالم المذهل... والـ120 درجة من الزوايا العجيبة ستجدها فى ترصيص حبات الرمان بداخل تلك الفاكهة الجميلة... وستجد الـ120 درجة أيضا بين فقاعات الصابون... وحتى فى خلايا الخشب بداخل الأشجار، وذلك لأنها تعكس روعة الاقتصاد فى البناء والتكوين وكما نرى فى كل مكان فروائع الخالق تتغلب بسهولة على كل ما يصممه وينتجه الإنسان.
* أمنيـــة :
درجات الدقة فى البناء والتعمير والنقل مذهلة للغاية وهناك ملايين الأمثلة على روائعها... أتمنى أن نتذكر أن الرواد فى الدقة فى مجالات العلوم والرياضيات والطب كانوا علماء المسلمين وعسى أن نستطيع استكمال مسيرتهم يوما ما.
والله من وراء القصد.