صدر نظام إدارة المناطق الساحلية عن مجلس الشورى قبل عام كامل أو بالتحديد في 23/11/1426هـ، واستبشر به المواطنون كثيراً لأنه يهدف إلى الحفاظ على سواحل بلادنا الجميلة من التخريب المستمر الذي يتزايد تعرّضها له بسبب الردم والتجريف والاحتكار والإغلاق والتلوث وكثرة المشاريع والتدخلات التي لا تحترم الأنظمة البيئية ولا تلقي لها بالاً. ومنذ ذلك التاريخ وأنا أراقب قرارات مجلس الوزراء في الصحف صباح كل ثلاثاء بانتظار ما يجعل من هذا النظام قانوناً يلتزم الجميع بتطبيقه ويعاقب بموجبه كل مخالف يحاول الاعتداء على السواحل. يطول الانتظار وليس هناك من حس أو خبر. يزداد القلق والتوجس. أتساءل: ماذا حدث لهذا النظام؟ هل تعثّر صدوره؟ ولماذا استغرق كل هذه المدة؟ وهل سيرى النور في نهاية الأمر؟ يصل القلق حد الوسواس.
أحاول أن أكون أكثر تفاؤلاً بافتراض أن النظام لا يزال على قيد الحياة، وأنه سوف يرى النور عاجلاً آم آجلاً، كغيره من الأنظمة الصادرة عن مجلس الشورى، وأتساءل: ما سبب تأخره؟ هل هناك صعوبات حقيقية يلزم حلها قبل إصداره؟ هل ستعاد دراسة النظام مرة أخرى من البداية؟ هل سيتم تعديله أو تجريده من فعاليته بحدف بعض مواده المهمة وإعادته إلى مجلس الشورى لدراسته من جديد؟
أعرف أن ولادة هذا النظام لم تكن سهلة وأنه واجه صعوبات كبيرة، وهذا أمر طبيعي بالنسبة للكثير من الأنظمة البيئية لأن المحافظة على الموارد كثيراً ما تقف حجر عثرة، في المدى القصير، أمام الطامعين في استغلال هذه الموارد بأسرع طريقة وفي أقصر وقت حتى لو أدى ذلك، على المدى الطويل، إلى تدميرها. خذ مثالاً: الغابات في البلاد التي يعتمد اقتصادها على تصدير الأخشاب. قطع الغابات هناك يشكل مصدراً للثراء السريع للشركات الكبيرة بالإضافة إلى أنه مصدر رزق لبعض المواطنين. أما استثمار الغابات بطريقة مستدامة، رغم أنه يعيق مكاسب تلك الفئات، فهو يهدف إلى تنمية السياحة والاستفادة من المنتجات التي توفرها الغابات على المدى الطويل دون إلحاق ضرر بأشجارها حتى لو تطلب ذلك خفض كمية الأخشاب المنتجة بشكل كبير. ومن وجهة نظر كونية،

إن نظام إدارة المناطق الساحلية لا يمنع التطور العمراني والاستثمار في السواحل بل ينظمهما

قد لا تهم الطامعين في الثراء السريع، فإن الموضوع أخطر بكثير لأن المحافظة على الغابات تعني المحافظة على رئة الأرض وقدرتها على التنفس، أي هي مسألة حياة أو موت. وهكذا الأمر بالنسبة للسواحل التي تخضع لهجمات المحتكرين الذين يطمعون في الاستئثار بأجمل المناطق الساحلية لأنفسهم، أو المستثمرين العقاريين الذين لا ينظرون إلا إلى كيفية الاستفادة منها بأكبر قدر وبأقصى سرعة، وذلك بتحويلها إلى مشاريع عقارية ضخمة يتم بيعها بأغلى الأثمان، مستغلين زرقة الماء واتساع البحر كعاملي إغراء كبيرين، لا يهم بعد ذلك إذا منعت هذه المشاريع أغلبية المواطنين من الوصول إلى البحر والاستمتاع برؤية مياهه الزرقاء أو استنشاق هوائه العليل والمشي على رماله الناعمة والسباحة في مياهه الدافئة أو الغوص في أعماقه لاستكشاف مخلوقاته البديعة وكنوزه الجمالية الرائعة. لا يهم إذا ألقت منشآت هذه المشاريع ما ألقت من مخرجات وملوثات. لا يهم ما ينتج عنها من تدمير للشعاب المرجانية التي استغرق نموها ملايين السنوات والتي تشكل، على المدى الطويل، مصدراً لا ينضب لجذب السياحة، وبيئة ضرورية لتكاثر الثروة السمكية التي بدأ العالم يواجه نقصاً مضطرداًً في مقدارها. وبالإضافة إلى التوسع العمراني العشوائي هناك نوع ثالث من الهجمات التي تتمثل في إلقاء بعض الجهات مختلف أنواع النفايات والملوثات في البحر لأن ذلك يُشكل أسهل وأرخص طريقة للتخلص منها، ويشمل ذلك مخرجات الصرف الصحي والصناعي. أسوأ ما في الأمر هو عجز المحتكرين والمستثمرين والملوثين عن إدراك أن مميزات الواجهة البحرية التي يساهمون في تدميرها يمكن استغلالها بطريقة أجدى اقتصادياً على المدى الطويل، وأن التخطيط السليم للسواحل الذي يقصُر البناء على اليابسة هو الذي يحقق الاستفادة القصوى من جمال الواجهة البحرية وإمكانياتها مع حمايتها من جميع أنواع التلوث وهذا التخطيط هو الأكثر حضارية واستدامة وهو الذي دفع أغلب الدول السياحية الكبرى إلى إقرار أنظمة مشابهة لنظام إدارة المناطق الساحلية الذي تتعثر ولادته عندنا.
نظام إدارة المناطق الساحلية يهدف إلى وقف التدمير المتسارع للسواحل الذي شهدته بلادنا في السنوات الماضية ومازال مستمراً، وذلك بإقرار مواد واضحة تمنع تملك ما بقي من السواحل العامة، والمحافظة عليه كمتنزهات ومناطق ترفيهية لعموم المواطنين وتمنع البناء في حدود 400 متر من الساحل بالإضافة إلى منع الردم والتجريف وإلقاء مخلفات الصرف الصحي والصناعي وكافة أنواع التلوث في كل السواحل. هذا النظام يقول لكل الجهات الحكومية والخاصة مهما بلغت المساحات التي تملكها من الساحل فإنه ليس من حقها إنشاء المشاريع العشوائية التي تؤدي إلى تدمير البيئة الساحلية والتصرف بالساحل كما تشاء بل عليها مراعاة الأنظمة التي تحمي الساحل بمياهه ورماله ومخلوقاته وعليها ترك حرم للبحر يتم تعويضها عنه بأراض بديلة مع الاحتفاظ لهذه الجهات بخاصية الإطلالة على الواجهة البحرية. وتعني هذه المادة من النظام بعد تطبيقها استعادة المواطنين لحق الاستفادة من كامل المناطق الساحلية. ومن المهم إدراك أن نظام إدارة المناطق الساحلية لا يمنع التطور العمراني والاستثمار في السواحل بل ينظمهما ويثريهما ويجعلهما أكثر استدامة واستمرارية. وهو يشجع على الاستثمار الذي يبقى للمستقبل بدلاً من الاستغلال السريع الذي يهدر الثروات الطبيعية.
لقد خطت بلادنا خطوات واسعة في مجال الحفاظ على البيئة من أهمها تشكيل مجلس أعلى للبيئة برئاسة صاحب السمو الملكي الأمير سلطان ولي العهد يحفظه الله، وتطوير الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة، وإصدار النظام العام للبيئة ولوائحه التنفيذية التي دخلت حيز التفعيل منذ فترة قصيرة، ويأتي نظام إدارة المناطق الساحلية كحلقة إضافية مهمة في سلسلة الأنظمة الضرورية لحماية ثرواتنا الطبيعية من الاستغلال والضياع ومن أهم هذه الثروات إمكانيات المناطق الساحلية التي أنعم الله بها على بلادنا. إن علينا أن نختار بين المحافظة على سواحلنا أو الاستمرار في ضياعها. وإذا اخترنا المحافظة فلابد من إزالة العراقيل التي تمنع سن الأنظمة والتشريعات الفاعلة للوصول إلى الهدف المنشود، ولابد من دعم الجهات المكلفة بتفعيل هذه الأنظمة، وأملنا، بعد الله، في قائد مسيرتنا، مليكنا المفدى عبدالله، أن يحث الجهات التي وصل إليها النظام على إصداره في أسرع وقت ممكن وبالصيغة اللازمة لتحقيق الأهداف التي توخاها مجلس الشورى، ثم على وضعه موضع التنفيذ، والتعاون على إنجاحه لمصلحة هذا الوطن الكبير وسعادة كل أبنائه.