الرجل النموذج وإنسان المواقف
د. محمود محمد سفر *
مات عبدالوهاب عبدالواسع والموت قدر كل حي ونهاية كل انسان ولا مهرب لبشر منه والموت لا يفرق بين طفل وشيخ وذكر وانثى فلكلٍ يومه ولكلٍٍٍٍٍ ساعته.. والموت هو وسيلة الله الوحيدة والفريدة ليقهر بها عباده فلا يقهرهم بالفقر وضيق الرزق فذاك مستدرك وقد يزول بالصبر والمثابرة حتى تنفرج الامور ولا يقهرهم بالكروب فسرعان ما تزول ويحضر الفرج اذا دعوا الله مخلصين له ومسترحمينه لزوالها ولا يقهرهم في شأن من شؤون الحياة -صغر ام كبر- الا واوجد لهم مخرجا ووسيلة ولطفا الا الموت فلا هروب منه ولا مخرج له فعندما يغيب عزيز يصبح الغياب ابديا لا تكون عودة بعده مطلقا ولا يتجدد اللقاء مع من فقدناه حتما حتى ياذن الله باجتماع من يختار لمن يختار في الجنة ممن شملهم برحمته.
فالموت وسيله لقهر العباد من رب العباد عندما يحل الاجل فيفارقنا احباؤنا ونفارقهم من دون استئذان ومن دون اختيار فهي الآجال وانها الاعمار ولا يغلو انسان على الله فهو يأخذ ما يعطي ولا حول ولا قوة لبشر الا بالله العلي المتعال الخالق البارئ المحي المميت سبحانه جل في علاه وتسامى في سماه.
اذا سلمنا بذلك وحتما لابد لنا ان نسلم به لانه مرتكز ايماني ثابت لا يتزعزع وقدر رباني لا مندوحة عنه فان البشر يموتون عندما تحين نهاية اعمارهم التي لا يعلمها الا الخالق فهم بموتهم يقدمون الى ما قدموا في آخرتهم ولا يبقى لهم في دنياهم التي غادروها الا ما تركوه يبقى للبشر في دنياهم بعد انتقالهم الى عالم الخلود الا الثلاث التي ورد ذكرها في القول المأثور من دعاء ولد صالح وصدقة جارية وعمل صالح فما يتركه المرء خلفه هو في حقيقته محصلة جهده التربوي في اولاده وتوفيق الله له في اعمال الخير والاثر الطيب الذي يبقيه بجهده وافعاله.
فاذا كان دعاء الابناء لابيهم ذاتيا ولا يعلم به احد سواهم واعمال الخير من صدقة وخلافه تبقى كبيرة الاثر في نفوس المحتاجين اليها والعارفين بها اما ما يتركه بعض الناس من آثار طيبة تشهد لهم بصدق العطاء ونبل العمل وجودة الانجاز فذلك له شأن واي شأن فالانجازات من اعمال صالحة وافعال قيمة في خدمة الامة والوطن تقف منتصبة تشهد لصانعها بصدق العطاء وتظل بصماتها محفورة في التاريخ تشيد له بنبل العمل بعد وفاته كما تسكن مآثرها في الذاكرة الجمعية لمجتمعه فلا تنسى ولا تنمحى بعد مماته.
ويقف المرء منبهرا امام نماذج من الرجال بصفاتهم وقدراتهم وانجازاتهم وعبدالوهاب عبدالواسع كان من أولئك الرجال قدرة على العطاء وجلدا على العمل وحزما في الادارة فقد كان قدوة لمن عمل معه ونموذجا لمن واكب مسيرته ومثالا لمن التصق بانجازاته فكان الرجل فعلا مدرسة لكل هؤلاء تعلموا فيها الحزم وتدفق العطاء والصبر على الأداء.
وكما ان الرجال مواقف، فقد عرف عبدالوهاب عبدالواسع بانه رجل مواقف.
فقيدنا العزيز عبدالوهاب عبدالواسع او «الاستاذ» -كما كان عارفوه يسمونه- رجل رحل عنا وترك خلفه سجلا حافلا من الأعمال تذكر فتشكر، وتاريخا زاخرا من الافعال تعرف فتحمد، ومواقف صادقة مشهود له بها تسرد فيثنى عليها.
لست في موقف المعدد لأعماله وأفعاله فهي كثيرة ومتنوعة، فقد قضى كل حياته منذ يفاعته خادما لوطنه تحت توجيهات قادته الذين لمسوا فيه الذكاء فقربوه وعرفوا عنه المثابرة فمكنوه ولمسوا فيه العطاء المخلص فشكروه، فكان نموذجا للمواطن المنتج، وكان قدوة للرجل المنجز ففي الجهاز المالي للدولة كان له باع وفي مجال التعليم كانت له صولات وجولات وفي الرقابة والتحقيق كان له أداء، وفي الحج والاوقاف كان له انجاز.
يكفي «الاستاذ» ان دوره في نشر التعليم معروف وبصماته فيه ملموسة وبخاصة في برامج الابتعاث الى الخارج التي اشرف عليها ونفذها لسنوات عديدة بنزاهة وصدق واخلاص فمد الوطن برجال أكفاء نالوا من جامعات العالم تحصيلهم العلمي وعادوا للوطن ليخدموه، وأحسب أن أجيالا عديدة من المتعلمين والمثقفين يدينون «للاستاذ» بحصولهم على درجاتهم العلمية خارج المملكة وعادوا لوطنهم ليتسنموا أرقى المراتب ويساهموا في أجهزته الادارية والعلمية والثقافية فاعطوا وما بخلوا وثابروا وما تقاعسوا، وظلت ذاكرتهم تحمل الود والوفاء والعرفان بالجميل لهذا الرجل الشهم المخلص الوفي.
كان الرجل قوي الشكيمة في تعامله، وحازما في قراراته، ومهابا في طلعته، واداريا ناجحا في الاجهزة التي كانت تحت مسؤولياته.
وكان نبيلا ووفيا وكريما ومتسامحا وعفوا.
كان نبيلا مع الاصدقاء ووفيا مع المحبين وكريما مع المحتاجين ومتسامحا مع المخطئين وعفوا مع المسيئين.
رحم الله عبدالوهاب عبدالواسع رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته واسبل عليه من غفرانه ما هو جدير به والعزاء لابنيه احمد ومحمد ولأمهما تلك السيدة الفاضلة التي وقفت وراء ذلك الرجل في شموخه ومرضه وللصديق العزيز الدكتور حسين جزائري خال ابنائه وباقي أصهاره كما ان العزاء موصول لنا جميعا نحن محبيه وعارفيه واصدقائه وجميع من دانوا له بالفضل بعد الله فيما قدمه لهم من معروف وصنيع.
ولا نزكي أحدا على الله ولكنا شهدنا للفقيد بما عرفناه عنه والله حسبه ولا حول ولا قوة الا بالله فعليه التوكل واليه المنتهى.
* وزير الحج الأسبق
أضف تعليقك