مأزق الابتعاث وغيره.. بين المحاذير والتطلعات
** نحن نعيش في منطقة «تغلي»..
** ولأنها كذلك فإن الأولوية المطلقة فيها قد اختلفت..
** فالوضع الأمني المتردي لا يجب التهاون تجاهه..
** والعمل على صيانة أمن الدول واستقرار البلدان وسلامة الشعوب لم يعد ترفاً.. أو حرصاً.. أو مسؤولية تقليدية يتوجب على الأنظمة أن تنهض به أو تتصدى له.. بقدر ما أصبح حاجة ملحة.. وأولوية مطلقة غير قابلة للمفاضلة مع سواها..
** ولأن الحالة كذلك..
** ولأن كل عناصر القوة في الدولة.. من تخطيط.. إلى موارد.. إلى إنتاج.. إلى اعتمادات مالية.. إلى توظيف للطاقات.. بات مسخراً لخدمة هذه الغاية.. ومُوجهاً لها بالكلية.. فإن الكثير من الضرورات الأخرى أصبح في حكم المؤجل.. أو غير المنظور أو غير المطروح بنفس القوة.. وبنفس التراتبية السابقة..
** وهذا يعني أن على التنمية الشاملة السلام..
** فلا التعليم سيحظى بالاهتمام المطلوب..
** ولا الصحة.. ولا الفقر.. ولا الماء والكهرباء.. ولا الرغيف ستنال ما هي جديرة به من استحقاقات..
** ولا الدول ستعطي هذه الجوانب القدر الذي تحتاجه من التفكير.. أو الاستقطاع.. أو التدبير..
** فهل هذا هو الذي ترمي إليه الأطراف التي تدفع الأمور إلى حافة الهاوية..؟
** لم يعد هناك شك في أن الحالة «الدوامة» التي تعيشها منطقتنا هي حالة غير طبيعية.. وأن إغراقنا بمشاكل كبيرة ومعقدة يهدف إلى شل قدرتنا على الحياة.. وعلى العطاء.. وحرماننا من التقدم ومواكبة العصر..
** فإذا كان هذا ما تريده الأطراف الأخرى للفلسطينيين.. واللبنانيين والعراقيين.. والسودانيين.. والإيرانيين.. فأين نحن.. وأين هي عقولنا.. وأين هي بصيرتنا..؟!
** إن المشكلة الأساسية تتمثل في أن الجميع مُدرك لهذه الحقيقة، ولكنه عاجز عن العمل أو عن المساهمة في تقديم الحل الأمثل..
** فما نسمعه.. ونراه.. ونقرأه هو المزيد من الشكوى.. والمزيد

لم تعد سياسة «المهادنة» مجدية وقد
باتت شعوب المنطقة في مرمى الهدف

المزيد من التحذيرات.. والمزيد من التوقعات المربكة.. عن مستقبل مأساوي مظلم..
** ومادام أن الأمر بمثل هذه الخطورة..
** ومادام أن دول المنطقة وشعوبها باتت في مرمى الهدف.. وأن الغاية هي تعطيلها عن النمو إن هو لم يكن أسوأ من ذلك.. فإن الأمر لم يعد يحتمل استمرار سياسة «المهادنة» أو.. وضع الرؤوس في الرمال.. أو التعاطي مع قضية كبيرة كهذه بمثل الهدوء الذي نراه.. أو العجز الذي نحسّه.. ونخشى عواقبه.. كدول وشعوب.. وكأن لا حول ولا قوة لنا.. لمواجهة هذا الوضع الخطر.. وذلك -في حد ذاته- لم يعد محتملاً.. لأن الجهود متواصلة لتخريب المنطقة.. ليس فقط.. تخريبها اقتصادياً.. وإنما تخريب عقول أبنائها.. ودفعهم في الاتجاه الخطأ نحو مزيد من التشدد.. والكراهية.. والعنف.. ونحو مزيد ومزيد من الضلالات والانحرافات الفكرية.. والسياسية المدمرة..
** إن عملية التخريب الواسعة.. بأكثر من صورة وأكثر من شكل تستهدف الإنسان أكثر مما تستهدف القدرات والإمكانات والسياسات والتوجهات.. ومع ذلك فإننا لا نعرف كيف نتصرف..
** والحقيقة إننا في مأزق..
** فالدول حريصة على مواصلة خطط التنمية وبرامج التنوير والتطوير وفي مقدمتها دولتنا هذه.. لأنها مقتنعة بأن علينا ألا نستسلم أو نتخلف أو نقبل بصرفنا عن بذل الجهود الجادة نحو بناء الإنسان وتطوير مستويات حياته.. بالرغم من كل محاولات الغير لإبعادنا عن هذا الهدف.. واستنزافنا بكل الصور والأشكال..
** وقد يكون هذا التصميم لدى البعض سبباً في التفكير في التخطيط وصرف الأموال على تأهيل شبابنا.. بالدفع بهم للخارج.. وتهيئة فرص التعليم.. واكتساب الخبرات منها.. وفتح الآفاق الجديدة أمامهم..
** وهنا يقع المأزق.. مأزق الابتعاث إلى الخارج..
** فنحن لا نستطيع أن نتجاهل مدى حاجة الدول والمجتمعات إلى ابتعاث أبنائها وبناتها إلى الدول الأخرى لتحقيق المزيد من الخبرات وتحصيل العلوم والحصول على المؤهلات العلمية المختلفة..
** لكننا لا يمكن أن نتجاهل طبيعة المحاذير التي تحيط بعملية الابتعاث، سواء من حيث تعريض بعض المبتعثين لأفكار وتوجهات معينة، أو لتوجيه طاقات البعض الآخر لخدمة أهداف من نوع أو آخر.. أو لاستلاب عقول البعض الثالث لوجهة أمان وتطلعات وهمية الهدف منها خلق طوابير خامسة فهم داخل أوطانهم بدواعي التطوير والتغيير والتنوير ونشر الحرية والديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني.. أو حتى تلك المحاذير والمشاكل المرتبطة بالصورة الذهنية المشوهة عن العرب بشكل عام.. والسعوديين بشكل خاص لدى بعض الدول الأخرى.. وهي مشاكل أثرت في تحصيل البعض.. وطمأنينة البعض الآخر وسلامته.. أو تلك الناشئة عن جهل هؤلاء المبتعثين بأنظمة تلك الدول وسقوطهم ضحايا أنظمة وقوانين شديدة الوطأة..
** هذا المأزق.. لا يجب أن يحرمنا من المضي في سياسة الابتعاث لكنه لا يجب أن ينسينا حجم تلك الأخطار والمشاكل علينا كدول وكمجتمعات وكمستقبل..
** وهذا يعني أن على دولنا ومؤسساتنا وسفاراتنا ومكاتبنا الثقافية والتعليمية أن ترتفع إلى مستوى الإدراك لهذا المأزق وتؤهل نفسها وأجهزتها ومبتعثيها بالشكل وبالصورة التي تكفل استمرار الفائدة وتنفي خطر السلبيات وإن ظلت المشكلة الأكبر.. والمتمثلة في استهداف كياناتنا والسعي إلى تقويضها بشتى الوسائل..
** هذا الواقع.. يستوجب خطة طوارئ عربية -تقود إلى إعادة صياغة سياسات دول المنطقة وشعوبها.. وتعتمد هدف استبعاد مصالحها الذاتية وتغلب عليها المصلحة القومية العليا.. وبدون هذا فإن الخطر سيشتد والمصير.. لن يكون بمنأى عن التهديد..
* ومضــة :
** «لا شيء نهائياً في هذا العالم.. ولا شيء مستحيلاً.. مادام أن هناك إرادة.. وهناك صبراً.. وهناك حكمة.. وهناك إصراراً على العمل في ظل العقل.. بعيداً عن التهور والجنون والارتجال..».
hhashim@okaz.com.sa