«العمل التطوعي».. الحاجة إلى نظام وتنظيم وثقافة وتفعيل
يعتبر «العمل التطوعي» ركيزة اجتماعية أساسية في بناء المجتمع، وله دور محوري في تنميته من حيث كون «العمل التطوعي» نمطاً من العمل الاجتماعي والثقافي والسياسي في المجتمع من جهة والدولة من جهة أخرى. وقد ظهرت أنشطة التطوع بصور متعددة وبأشكال مختلفة وفي ميادين متباينة على مدى العصور منها التعليم والصحة والتنمية الاجتماعية والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة كالأيتام والأرامل في مختلف المجتمعات، وقد اهتمت الجمعيات في العصر الحديث «بالعمل التطوعي» وأنشئت لذلك جمعيات أهلية وخيرية تتنوع أنشطتها ومجالات خدماتها حسب حاجة المجتمع وأولوياته ومن ذلك الأنشطة الثقافية والأدبية والدعوية والخدمات الصحية والتدريبية وتنمية المجتمع. ويحدد مفهوم «التطوع» المقدار والمدى التطوعي في مختلف المجالات، حيث يُفهم من مصطلح «التطوع» وتعريفه من قبل المختصين أنه: ما يتبرع به الفرد من ذات نفسه، مما لا يلزمه فرضه، وهو العمل باندفاع ذاتي بعيداً عن الإكراه والإلزام الخارجي، وهو كذلك، التضحية بالوقت أو الجهد أو المال أو الخبرة والمعلومات دون انتظار عائد مادي، وهو كذلك نشاط اجتماعي يقوم به الأفراد، بشكل فردي أو جماعي من خلال الجمعيات والمؤسسات الأهلية والخيرية، وتختلف نوعية العمل التطوعي «المنظم» عن «غير المنظم» فيما يتعلق بطبيعة العمل ومفاهيمه وضوابطه ولوائحه التنظيمية وحوافزه وآليات التطبيق. ويتفق المختصون في مجال «العمل التطوعي» على مرتكزات أساسية أهمها:
1- القناعة بجدوى «العمل التطوعي» في تنمية المجتمع وخدمته وتنمية الإنسان والارتقاء به.
2- توفر الرغبة الملائمة لممارسة نوع

العمل التطوعي هو التضحية بالوقت
أو الجهد أو المال دون عائد مادي

من «العمل التطوعي» لدى المتطوع.
3- توفر درجة من الثقافة والاطلاع والقدرة على أداء العمل التطوعي لدى المتطوع.
4- عدم التمييز بين الفئات الاجتماعية، وتطبيق مبدأ المساواة والعدالة في توفير الخدمة التطوعية.
وفي ضوء كل ذلك من تعريف ومجالات واستحقاقات متعددة، تظهر الحاجة إلى وضع مقاييس ومعايير عقدية وأخلاقية وتنظيمية تشمل عناصر شتى منها البذل والعطاء ضمن معطيات «الرابطة التطوعية» في المجتمع وعلاقاتها الاقتصادية والتعليمية والصحية والاجتماعية، ومسؤوليات الجهات الحكومية وغير الحكومية في هذه المجالات، وارتباط «العمل التطوعي» بمؤسسات المجتمع المدني الخيرية وتأطير فعالياتها فيها من جهة، ومجالات الحياة المختلفة من جهة أخرى.
كما يصبح من اللازم ربط التطوع «بمنظمة تطوعية» تعتمد على التمويل التطوعي وتقدم خدماتها بدون عائد مادي، وتصمم سياساتها، وتوجه أنشطتها وتنفذ برامجها ضمن إطار يراعي أساسيات «العمل التطوعي» ودوره في النهوض بمختلف أوجه خدمات المجتمع والمساهمة في تلبية حاجاته ويراعى في ذلك تفعيل مفهوم «العمل التطوعي المنظم» في تحقيق التنمية في المجتمع وتنشيط المشاركة المجتمعية الواعية بالمنظور التطوعي المتميز والفعال كدعامة أساسية للمشاركة الأهلية في جهود التنمية ومسايرة المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية وسد النقص في جوانب الحياة المعيشية المعاصرة وتفعيل مبدأ التكافل الاجتماعي الذي تحث عليه الشريعة الإسلامية السمحة وتحافظ عليه والأعراف والتقاليد والعادات الاجتماعية في المجتمع الإسلامي لما في ذلك من التقرب إلى الله }إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً| الإنسان: آية/9.
وقد اهتمت المجتمعات المعاصرة بالعمل التطوعي، حيث تم طرح -على المستوى الدولي- برنامج الأمم المتحدة التطوعي في العام 1967م، وتم إقرار هيئة دولية للمتطوعين وتشكيلها في العام 1971م وتطورت العملية التطوعية وتجذرت في مجتمعات شتى حتى أصبحت من «عناوين» التقدم والتنمية المعاصرة.
وفي المملكة العربية السعودية، ينمو العمل التطوعي المنظم يوماً بعد يوم، حتى زادت الجمعيات الخيرية- لعمل تطوعي منظم- عن (230) جمعية مرخص لها حتى تاريخه، كما أن الأعمال ذات الصفة التطوعية تتواجد في مختلف الساحات التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، ومع ذلك لا يوجد نظام «للعمل التطوعي» يغطي مختلف جوانبه التنظيمية وإجراءات عمله وما يرتبط بذلك من قضايا وتوجهات ومواكبة للتغيرات المجتمعية المعاصرة، وتقييم وتقويم مقومات ومعوقات «العمل التطوعي» في المجتمع السعودي، والإفادة من الخبرات والتجارب الإقليمية والعالمية الى جانب إبراز ودعم مجالات «العمل التطوعي» في ومن خلال جمعيات النفع العام والجمعيات المهنية والتخصصية.
ولذلك فالحاجة ماسة إلى «نظام وتنظيم ومنظمة» للعمل التطوعي «المؤسساتي» يطور مفهومه ووسائله وطرقه ويحث عليه كنماء للفرد وتنمية المجتمع وضمان تكافله وتذلل المعوقات التنظيمية والإدارية والمالية والتشريعية ودعم متلازمة الأمن والتنمية في المجتمع وتفعيل دور الشباب في العمل التطوعي ونشر ثقافته وإبراز التراث والأدبيات التي تحث على العمل التطوعي وصولاً إلى تحقيق الترابط المجتمعي وتجسيد الدوافع العقدية والأخلاقية والإنسانية في هذا السبيل، وهو ما يتسق مع توجه حكومة خادم الحرمين الشريفين لتعظيم الاستفادة من الجهود الخيرية لخدمة البلاد والعباد.. والله الهادي إلى سواء السبيل.
hazmigenel@hotmail.com