تحليل نقدي لصراع خطابين ثقافيين
«الشجرة» و«الموجة» (1)
علي الشدوي
حين حلل المؤرخون الثقافة على الصعيد العالمي (أو على صعيد واسع على الأقل ) استخدموا استعارتين معرفيتين أساسيتين هما : الشجرة والموجة ؛ فقد استخدمت الشجرة أداة لفقه اللغة المقارن ، والموجة لتفسير علاقات معينة بين اللغات، والشجرة والموجة استخدمتا معا استعارتين لوصف نشوء الرواية الحديثة في الثقافات التي تنتمي إلى هامش ما يسمى الآن بالنظام الأدبي العالمي . والخلاصة من هذا كله هو : أن الشجرة والموجة استعارتان مفيدتان لمقاربة التاريخ الثقافي والاجتماعي ؛ فهو مكون من أشجار وأمواج (1).
سوف نستعير هاتين الاستعارتين على نطاق ضيق؛ لنقارب بهما الوضع الثقافي في قضاء الظفير في القرن الرابع عشر للهجرة. الشجرة لنصف بها الوضع الثقافي آنذاك، والموجة لنصف بها ما تعرضت له ثقافة القضاء ابتداء من نهاية الربع الأول من ذلك القرن. الشجرة لنشير بها إلى الوحدة من خلال التنوع أي شجرة واحدة بأفرع متعددة، وعلى عكس الشجرة نشير بالموجة إلى قسر الوحدة على التنوع.
الكتاب الذي اشتغلت عليه الورقة هو كتاب «الإيضاحات السلفية لبعض المنكرات والخرافات الوثنية المنتشرة في قضاء الظفير »(2) للشيخ عبد الله بن سعدي رحمه الله ، الذي لفت النظر إلى أن قرونا طويلة تكون خلالها فكر وتحصلت فيها ثقافة. إن الأهمية الثقافية لهذا الكتاب تكمن في إحالته الضمنية إلى انقسام داخلي في قضاء الظفير سنعرضه فيما بعد، حينما نكون بصدد الحديث عن الشجرة والموجة. يكفي أن نقول هنا إن الكتاب عرض لنا خلاصة تركيبية للثقافة في قضاء الظفير إلى نهاية الربع الأول من القرن الرابع عشر للهجرة، وتكفل بضبط عناصرها المكونة ، وبتحديد المواقف الذهنية التي تضمرها. من هنا فتحليل الكتاب بوصفه وثيقة ثقافية يسمح لنا بالاقتراب أكثر من الواقع الثقافي الاجتماعي الذي تكون إلى تلك الفترة، ويقدم لنا فرضية عمل متعلقة بعلاقة الخطاب بالإنسان الذي يتغذى منه.
حكاية تأليف الكتاب
من وجهة النظر هذه، وإذا ما أردنا أن نفهم الكتاب في ضوئها، لا بد من أن نأخذ بعين الاعتبار حكاية تدوينه كما يرويها المؤلف نفسه في المقدمة ، فهي تلقي ضوءا كاشفا على الأفكار الأساسية التي سنتوقف عندها .
يقول «فهذه إيضاحات لبعض المنكرات ، والبدع والخرافات الموجودة في قضاء الظفير ، التي ترشد الهيئة المتطوعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى إبطالها والتنزه عنها ، والتزام العمل بالكتاب والسنة، فحصل بسبب ذلك الأذى العظيم ، ما الله به عليم».
وعلى إثر ذلك ثار الجهال الذين ليس لهم علم ولا معرفة بالدين ولا حرمة في نفوسهم لمن يأمر به، فآذوا الداعين إلى الله تعالى، وكانت الثورة بتعميد الرؤساء المذكورين، أصلحهم الله .(3)
لقد أوردنا حكاية تدوين الكتاب كاملة لأهميتها الاستثنائية؛ فهي تسلسل الأحداث التي دفعت بالمؤلف إلى تدوين كتابه . سندرج فيما يلي تسلسل الأحداث كما وردت . 1-خلاصة تركيبية للثقافة كما استقرت عليه بعد قرون طويلة ( نعتها بالبدع والخرافات الوثنية ) . 2- وجود هيئة متطوعة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . هذه الهيئة صارمة وصلبة تنكر هذه التركيبة الثقافية التي تكونت ، وتحاول أن تعيدها إلى صيغتها الأولى التامة والحرفية ( التزام العمل بالكتاب والسنة) 3 -احتجاج كبراء القبائل ومعاونيهم على هذه الصيغة الصارمة والحرفية . 4-ثورة الناس وإيذاء الهيئة . 5- احتجاج المؤلف على الأذى .
(يُتبع: جزء آخر).
أضف تعليقك