على خفيف
أكتب.. يا يوسف !
كان أمين العاصمة المقدسة الأسبق الأستاذ عبدالله عريف «رحمه الله» حريصاً في بداية قيام المجلس البلدي بمكة المكرمة في الثمانينات الهجرية على حضور جلسات المجلس والتفاعل مع ما يقدمه الأعضاء من مطالب شعبية واقتراحات بمشاريع جديدة لصالح أم القرى. وكان عندما يسمع من أحد الأعضاء اقتراحاً أو طلباً جيداً وجد قبولاً من الأعضاء، يلتفت إلى سكرتير المجلس قائلاً له بلهجة حازمة: أكتب يا يوسف!
وكان المقصود بيوسف.. الأستاذ يوسف عرب، شقيق الشاعر الكبير الأستاذ حسين عرب يرحمهما الله، وكان يوسف موظفاً في أمانة العاصمة، وقد اختير لسكرتارية المجلس البلدي لحسن خطه وجودة أسلوبه في كتابة المحاضر والتقارير وخبرته الإدارية الجيدة.
وكان الأستاذ العريف متحمساً لجلسات المجلس البلدي، يقوم برفع ما يقترحه الأعضاء أولاً بأول إلى وكالة وزارة الداخلية لشؤون البلديات، لتقوم بدورها بطلب اعتمادات لتلك المشاريع لصالح الأمانة من وزارة المالية. ولكن قلما تعتمد المبالغ المطلوبة للمشاريع المقترحة.
ولما وجد الأستاذ العريف -أنه لا عدول عما تقرر-! فَتَر حماسه لجلسات المجلس البلدي وأصبح ينيب عنه وكيله لشؤون الخدمات الأستاذ عبداللطيف مراد في حضور الجلسات، لأنه لم يجد صدى مناسباً لما يرفع من اقتراحات ومطالب!
أما ما أعادني لذكريات المجلس البلدي بمكة المكرمة، فهو خبر قرأته في «عكاظ» عن جلسة لمجلس بلدي في إحدى المحافظات مُلئت بالخطب وقصائد الشعر ولم يعط من الوقت إلادقائق لسماع مطالب الأهالي، مما جعل الأهالي يتضجرون ويحتجون على تحول جلسة المجلس إلى خطب وقصائد!
وأرى أن رئيس وأعضاء هذا المجلس البلدي واقعيون جداً، فهم يعلمون مسبقاً أنهم مرتبطون بالبلديات والأمانات وجهات الخدمات الأخرى، وأن مطالبهم ومقترحاتهم إن قدموها تحتاج إلى ميزانيات وبنود واعتمادات وأن ما سبق رفعه من مجالس المناطق التي هي أرفع مستوى من المجالس البلدية ظل مرتبطاً بتوفر أو بتوفير الاعتمادات، وأن المقترحات والتوصيات تظل مقترحات وتوصيات، وأنه لا جديد في الشكل الجوهري للمجالس البلدية، وأنها لن تكون أفلح من مجالس المناطق ومجالس الأحياء، ولأن المجالس البلدية التي قضت نحبها في نهاية التسعينات الهجرية بعد يأس من إمكانية وجود تجاوب ولو يسير مع ما تقدمه من طلبات!، ولذلك كله أو بعضه فإن أعضاء مجلس هذه المحافظة رأوا أن مِلء وقت جلسة مجلسهم بالقصائد والخطب قد يكون فيه فائدة ومتعة وتسلية فتباروا في ذلك وملأوا وقت الجلسة بالقصائد الفيحاء والخطب العصماء، وتلك واقعية منهم يستحقون عليها الشكر والثناء؟!
أما بعض أعضاء المجالس البلدية الذين لا يتورعون عن التصريح للصحف بما يبشرون بمشاريع بمئات أو عشرات الملايين، فإنني أنصح الواحد منهم بالنوم مبكراً بعد وجبة عشاء خفيفة جداً، وأن يكون اضطجاعهم على الجانب الأيمن عملاً بالسنة الشريفة، وليس على الجانب الأيسر، حماية لهم من الأحلام والكوابيس الرعناء، وأن يعلموا أن السكوت في مثل أحوالهم يكون من ذهب وألماس وأن يستعيذوا دائماً من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس!!
أضف تعليقك