تحدثتُ الأحد الماضي عن اعتقادي بوجود حاجة ماسة إلى تعديل استراتيجيتنا لمكافحة وباء الإيدز، وتطرقتُ إلى محورين: الأول البدء فوراً في تطبيق أسلوب السرية والخصوصية في كل المستشفيات ومراكز الفحص لتشجيع الأشخاص الذين يشكّون في إصابتهم على التقدم طوعياً لإجراء الفحص المخبري دون الحاجة إلى تسجيل جنسياتهم وهوياتهم وإرسالها إلى وزارة الصحة، والثاني توسعة قاعدة العلاج الفعال وذلك بتوفيره في مراكز طبية مختارة في جميع مدن المملكة بدلاً من المراكز المعدودة المتاحة حالياً، والسماح، بل تشجيع أي مركز طبي مؤهل يرغب في تقديم العلاج على تقديمه وفق تعليمات وزارة الصحة، مع مساهمة الوزارة في توفير أدوية الإيدز في هذه المراكز، أو إتاحتها للشراء مباشرة من مورديها. تتزامن كتابة هذا المقال مع اليوم العالمي للإيدز لهذا العام (1 ديسمبر 2006م)، وتدل إحصائيات منظمة الصحة العالمية على ارتفاع عدد المصابين في عام 2006م عنها في عام 2004م مما يعني استمرار حدوث إصابات جديدة في أغلب بلدان العالم، حيث بلغ مجموع هذه الإصابات 4.3 ملايين إصابة جديدة، وإن كان معدل الإصابات الجديدة في دول العالم الثالث وخاصة في إفريقيا وآسيا وأوروبا الشرقية يُشكل الغالبية العظمى من الإصابات. ومن المؤسف أن عدد الإصابات الجديدة في إقليم الشرق الأوسط وشمال افريقيا الذي يشمل كل الدول العربية بالإضافة إلى باكستان وأفغانستان وإيران (68000 إصابة) أصبح يفوق عدد الإصابات في إقليمي أمريكا الشمالية (43000 إصابة) وأوروبا الغربية (22000 إصابة) مجتمعين. أما في المملكة فقد كان عدد الإصابات الجديدة خلال عام 2005م المنصرم، حسب بيانات وزارة الصحة 1201 إصابة وهو أكثر من معدل الإصابات خلال السبع عشرة سنة السابقة (1984- 2004م) التي بلغت في مجموعها 8919 إصابة أي بمتوسط 525 إصابة في العام الواحد. وخلال تلك السنوات كانت نسبة الإصابة بين السعوديين 23% أما في عام 2005م فقد كانت 26%. هذه الأرقام تؤكد أن علينا مراجعة استراتيجياتنا ومضاعفة جهودنا لاحتواء هذا الوباء والاستفادة بأكبر قدر ممكن من العلاج الفعال الذي أصبح متوفراً على نطاق واسع، وكذلك من التوعية ووسائل الوقاية الأخرى التي أثبتت فعاليتها في كثير من الدول المتقدمة.
المحور الثالث الذي أود أن أتحدث عنه هو ضرورة إجراء المسوحات الوبائية بصورة موسعة لتحديد نسبة الإصابة بين فئات مختلفة من الناس، وخاصة تلك التي تكون أكثر عرضة للإصابة من غيرها مثل الشباب العائد من الخارج والمساجين ومدمني المخدرات الوريدية، وكذلك لتحديد طرق الإصابة، ويجب أخذ المبادرة في اكتشاف بؤر المرض الكامنة، لا الانتظار إلى حين ظهور الحالات بعد استفحالها. كما يجب قياس مستوى معرفة الفئات المختلفة بطرق انتقال المرض وأساليب الوقاية منه

بالتوعية الدينية نسبة الإصابة بالإيدز
في مجتمعنا الأقل في العالم

وعلاجه وطرق تعاملها مع الإصابة. ومن المهم اتباع أسلوب الشفافية الكاملة والانفتاح في نشر الإحصائيات لأهمية ذلك في تحديد استراتيجية المكافحة. وقد أوضحت النتائج السابقة أن أغلب حالات المرض بين السعوديين (90%) انتقلت عن طريق الاتصال الجنسي، مما يدل على أهمية التوعية بخطر الاتصال غير المشروع. ومن المهم اكتشاف الإصابة بين الحوامل وحماية الجنين من الإصابة بعلاج الأم أثناء الحمل وعلاج الجنين بعد الولادة ثم استعمال بدائل الرضاعة الطبيعية، مما ينتج عنه انخفاض نسبة إصابة الجنين التي تصل بدون علاج إلى 35%، بشكل كبير جداً. وتشكل حماية الأجنة إحدى الطرق الوقائية الفعالة في الحرب على الإيدز. ومن المهم كذلك منع استعمال الحقن الملوثة بين متعاطي المخدرات الوريدية حيث تشكل هذه الوسيلة إحدى الطرق الرئيسة في انتقال فيروس الإيدز خاصة في بعض الدول مثل إيران.
المحور الرابع هو تكثيف حملات التوعية والاستفادة القصوى من جميع الوسائل الوقائية المتاحة. وتقوم وزارة الصحة بحملة سنوية كبيرة في اليوم العالمي للإيدز كل عام. وربما ينبغي توسعة نطاق الحملات وتوزيعها على مدار السنة، واستهداف الفئات المعرضة للإصابة بطريقة أوسع. ومن أهم تلك الوسائل في مجتمعنا التوعية الدينية بالعفة وتجنب الاتصالات الجنسية غير المشروعة. ولاشك أن هذه التوعية لعبت دوراً كبيراً في كبح جماح المرض بين عامة الناس، مما نتج عنه أن نسبة الإصابة بقيت منخفضة بحمد الله في بلادنا مقارنة بغيرها من الدول، ولاشك أنه يجب استثمار هذا الجانب المهم إلى أبعد مدى وبأكثر الطرق جاذبية للشباب. أما بالنسبة للفئات التي تعلو فيها الإصابة رغم تعرضها لجهود النصح والإرشاد، والتي تصر على الاستمرار في السلوكيات الجنسية الخطرة مثل العلاقات خارج حدود الزواج وتعدد الشركاء الجنسيين والشذوذ الجنسي والإدمان فلابد من توعيتها باستعمال طرق وقائية أخرى وخاصة الواقي الذكري، وكذلك، حديثاً، الواقي المهبلي، موضوع الواقيات من المواضيع الحساسة والمحرجة في مجتمعنا التي يفضل الكثير منا تجنب الحديث عنها. ولكن كبح جماح المرض لابد أن يشكل أولوية قصوى تتطلب الاستفادة من وسائل الوقاية الفعالة كافة، وقد أثبتت الدراسات العلمية المختلفة فاعلية الاستخدام الصحيح للواقي الذكري في منع انتقال المرض، كما وصفته منظمة الصحة العالمية بأنه أكثر الوسائل المتاحة حاليا (بعد العفة) فاعلية في خفض الإصابة بالإيدز والأمراض الجنسية الأخرى.
المحور الخامس هو ربط الوقاية بالعلاج والرعاية وتخفيف آثار الإصابة. عند بداية الوباء كان التركيز عالمياً على جهود الوقاية فقط حيث كان يعتبر أن المصاب قد انتهى أمره. أما الآن فقد تغير الوضع تماماً، وأصبح من المهم، حسب توصية منظمة الصحة العالمية، ربط أربعة أشياء بعضها ببعض بأقوى قدر ممكن. هذه الجوانب هي الوقاية والعلاج ورعاية المصابين وتخفيف تأثيرات الإصابة النفسية والاجتماعية والاقتصادية. وينبغي علينا أن نعدل من استراتيجيتنا لتتماشى مع هذه التوصية. وقد ثبت أن ربط هذه الجوانب بعضها ببعض ضروري لمضاعفة أثرها. ويا حبذا لو استعنا بخبرات بعض المختصين في المنظمات العالمية ممن لهم خبرة واسعة في ربط هذه الجوانب بطرق فاعلة.
المحور السادس هو مواجهة مشكلة الإيدز بين الوافدين، وخاصة المقيمين غير النظاميين في بلادنا بصورة أكثر جرأة وواقعية. أما المقيمون النظاميون فتتركز الإجراءات المتبعة على منعهم من القدوم أو ترحيلهم فور اكتشاف إصابتهم، وهي إجراءات مقبولة دولياً وإن كانت على ما يبدو ذات فاعلية محدودة حيث إن نسبة هؤلاء من بين إجمالي المصابين لم تتغير كثيراً خلال السنوات الماضية. هذه الإجراءات في كل الأحوال ليست بديلاً واقعياً للمكافحة، وهي لا تلغي مسؤولية توعية هذه الفئات والعمل على حمايتها من الإصابة خلال فترة إقامتها عندنا أو منع انتقال الإصابة منها إلى غيرها في داخل المملكة أو خارجها. وتظهر المشكلة بشكل أكبر بين المقيمين غير النظاميين الذين لا يخضعون للفحص أو الترحيل. وفي ظل وضعهم الاقتصادي المتردي فإنه من السهل التنبؤ بارتفاع نسبة انتشار المرض بينهم في غياب جهود الوقاية والعلاج، ومن ثم انتقاله منهم إلى المواطنين أو المقيمين النظاميين. في اعتقادي أنه لا يمكن الاستمرار في التظاهر بأن مشاكل هذه الفئة لا تنعكس على مجتمعنا لأن التجارب العالمية تناقض ذلك. وكما تبين الإحصائيات المذكورة أعلاه فإن حوالى ثلاثة أرباع حالات الإيدز في المملكة مازالت تقع بين فئات الوافدين. وبالإضافة إلى الدول الافريقية المختلفة التي ترتفع فيها نسبة الإصابات بالمرض، فقد بدأت نسبة الإصابة ترتفع في عدة دول آسيوية على صلة وثيقة بنا مثل أندونيسيا والباكستان. ما ينبغي علينا أن نعمله مع فئات الوافدين والمقيمين طالما استمروا في إقامتهم بيننا هو، في اعتقادي، أقصى ما يمكننا عمله من جهود المكافحة بجوانبها المختلفة من توفير الرعاية الصحية والتوعية، وإتاحة فرص العلاج الفعال، والرعاية. ولاشك أن من الأجدى في كثير من الأحوال فصل الجوانب الصحية عن الجوانب النظامية حتى لا يتجنب أفراد هذه الفئات طلب الرعاية الصحية بسبب الخوف من العقوبات النظامية التي قد تتخذ ضدهم، وهو أسلوب متبع في عدة أمراض أخرى.
المحور السابع هو التشجيع على إنشاء الجمعيات الأهلية لمكافحة الإيدز في المدن الرئيسية ودعمها حتى يمكن أن تلعب دوراً جوهرياً في مكافحة المرض كما هو الحال في كثير من الدول الأخرى. المكافحة الفاعلة لوباء الإيدز في بلادنا، في اعتقادي، تتطلب تعديل جوانب كثيرة من استراتيجيتنا الحالية في التعامل مع هذا الوباء، وما ذكرته هنا، بالتأكيد، لا يغطي جوانب أخرى متعددة.