يسود في المنطقة من يدعو إلى : إعادة بناء «النظام العربي»... بحيث يُقام تكتل عربي قوي، يخدم المصالح العربية المشتركة، ويمثل درعاً واقياً، ضد الأخطار الجسيمة المعروفة (السياسية والاجتماعية والأمنية والاقتصادية) التي تهدد كل الأمة العربية. وهناك قلة، من العرب وغيرهم، تدعو إلى : تجاوز النظام العربي، بكل حقائقه... والدخول بقوة، إلى ترتيب إقليمي غير عربى جديد، يسمونه الـ«شرق أوسطية».
وبكل موضوعية ونزاهة، نقول: إن إعادة صياغة وبناء «النظام العربي» الجديد، هي الحل (الممكن والافضل) الذي يكفل: خدمة المصلحة العربية والإسلامية العليا، كأفضل ما تكون الخدمة، والمراعاة. أما الـ«شرق أوسطية»، فإنه يكفي لرفضها استذكار أهدافها، التي تتلخص في: محاولة إفناء النظام العربي، عن طريق تهميش وطمس الهوية الثقافية والسياسية، للأمة العربية، وتحقيق «شرعية» وجود إسرائيل، عبر انتمائها إلى منطقة «الشرق الأوسط»... وعبر تكوين نظام إقليمي بديل، تكون إسرائيل هي قطب الرحى فيه, والآمرة الناهية فى مقدراته ومصيره ؟!
وتصاعدت هذه الدعوات مؤخرا.... عندما نادت وزيرة الخارجية الامريكية – وهى تثني على الهجوم الاسرائيلى على لبنان، وتعلن رفض بلادها وقف اطلاق النار – الى قيام «شرق اوسط جديد»، على انقاض «الشرق الاوسط القديم» على حد قولها. وكأن اهل المنطقة الاصليين قد فوضوها لايجاد «نظام» جديد لهم.... فهم ربما لايعرفون مصلحتهم ؟! وكان يمكن التغاضى عمّا قالته هذه الوزيرة، ذات العقل الامبيريالى الدموي المريض، ويهمل كما تهمل معظم اقوالها، لولا انها تقصد ان بلادها ستفرض هذا «النظام» الذى يحمل سمّا زعافا، للعرب بخاصة، كما سوف نوضح.
* * *
وكان من الطبيعى ان تدعو إسرائيل – منذ أوائل التسعينات – بحماس ملحوظ، لهذه الفكرة. وجاءت هذه الدعوة في أحاديث نشرها شمعون بيريز، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق. أصدر بيريز، في عام 1993م، كتاباً بهذا الخصوص، سماه «الشرق الأوسط الجديد» ؟! وفي هذا الكتاب، شرح وجهة النظر الإسرائيلية هذه، التي لقيت دعماً أمريكياً مطلقاً. وقد قام معهد جامعة هارفارد للسياسة الاجتماعية

مشروع «الشرق أوسطية» يريد
تمزيق العرب وإدخال هويات غريبة

والاقتصادية في الشرق الأوسط، في الفترة 1988 – 1993م، بنشاط بحثي مكثف... هدفه: صياغة برنامج عمل، يفرض تسوية سياسية معينة، للقضية الفلسطينية، ثم بلورة صيغ متكاملة، للتعاون الإقليمي، الاقتصادي والاجتماعي، بين دول المنطقة. وشارك في هذه الأبحاث عدد كبير من الباحثين الاستراتيجيين الإسرائيليين، ولم يشارك فيها أي باحث عربى مستقل.
وكان هدف هذه البحوث هو: تطوير وترويج فكرة الـ«شرق أوسطية»... وكسب قبول بعض العرب لها (بالترغيب والترهيب)... ودعم موقف إسرائيل، وضمان سيطرتها، وهيمنتها – بالوكالة - على مقدرات المنطقة. ولم تخرج فكرة بيريز، التي أوردها في كتابه المشار إليه، عن هذا الإطار. بل يقال إن أهم استنتاجات هذه الأبحاث جاءت في كتاب بيريز... وبالنص الحرفي، أحياناً.
* * *
ومن ضمن «وسائل» (إستراتيجية) هذه السياسة: استغلال الضعف العربي، الراهن... وضمان دخول كثير من الدول العربية، في هذا النظام، بشكل منفرد. ثم استغلال ما سمي بـ«المفاوضات متعددة الأطراف»، التي تجرى في إطار ما يعرف بـ«عملية السلام» بالمنطقة، للاقتراب أكثر من تحقيق هذه الفكرة، في الواقع الفعلي. وكان المدخل لذلك، أن تهتم المفاوضات متعددة الأطراف ببحث خمس قضايا رئيسية، هي : ضبط التسلّح، المياه، اللاجئون، النمو الاقتصادي، البيئة.
ومعروف، أن هذه المفاوضات استؤنفت عام 1992م، في موسكو. ولم تشارك فيها سوريا ولبنان، احتجاجاً على التعنت العدواني الإسرائيلي. ولم تتمخض عن هذه المفاوضات أية نتائج تذكر، بسبب انكشاف النوايا الإسرائيلية والامريكية، السلبية. إلا أن من أهم ما تمخضت عنه، كان: انعقاد العديد من مؤتمرات التعاون الاقتصادي، بالمنطقة. وأهم هذه المؤتمرات: القمم الاقتصادية للشرق الأوسط، التي عقدت في الدار البيضاء، سنة 1994م، وفي عمّان سنة 1995م، وفي القاهرة، عام 1996م.
إن أبرز أهداف هذه السياسة هي: إقامة سوق إقليمية مشتركة... تضم إسرائيل، والدول العربية، وتركيا، ويسبق ذلك :التعاون في المجالات العلمية والتقنية، وتنمية مصادر المياه، وتشجيع وتطوير السياحة والزراعة. وجوهر هذه السياسة، هو : إقامة تعاون إقليمي، مركزه تل أبيب... حيث تسخر إمكانيات المنطقة لإمرة ما يسمى بـ«التقدم العلمي» الإسرائيلي، وفي إظهار «هوية» جديدة للمنطقة (هي الهوية الـ« شرق أوسطية»)... قوامها هذا «التعاون» – الاقتصادي الاجتماعي – الإقليمي.
ثم خفّت هذه الاتصالات نتيجة لإصرار اسرائيل على تجاهل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، بل وتصعيد التنكيل الصهيونى بالفلسطينيين، وتهديد دول الجوار العربية.... ذلك التهديد الذى توّجته اسرائيل – حتى الان – بالهجوم الاجرامى على لبنان، وتدميره، بحجج واهية معروفة. وقد توارت هذه الاتصالات بفعل الغضب الشعبي العربي العارم من سياسات اسرائيل – وامريكا - العدوانية الصارخة، ورفضها المؤكد للسلام العادل.
* * *
إن هذا المشروع، يهدف إلى: تمزيق الوطن العربي، وإضعافه، وإدخال هويات غريبة إلى المنطقة، ومحو هويتها العربية، والإسلامية. كما يتضمن هذا التحرك: تكريس الهيمنة الإسرائيلية على المنطقة، ومنح الـ«شرعية» للوجود الإسرائيلي فيها، وبدون اي مقابل. بالإضافة إلى : توسيع المجال الاقتصادي الحيوي، لإسرائيل... عبر دمجها في المنطقة، وإخضاع إمكانيات هذه المنطقة للسيطرة الامريكية - الإسرائيلية.
والهدف الاكبر – بمنتهى الايجاز – هو : خلق منطقة نفوذ امريكي مطبق... باعادة رسم خارطة المنطقة.... وتحويلها الى دويلات مستضعفة... تقودها اسرائيل، وتسخّر امكاناتها، وثرواتها، لخدمة المصالح الاستعمارية – الصهيونية.... لاغية هوية المنطقة وقِيَمِهَا، وضاربة عرض الحائط بمصالحها الحقيقية, ومكرسة تخلّفها، وهضم حقوقها.
لهذه الأسباب، وغيرها، فإن الحكمة المجرّدة تقتضي من العرب رفض هذا المشروع الخطير، وبشدة، والتركيز - بدلا عن ذلك - على بناء نظام سياسي – اقتصادي عربي، وإسلامي، حقيقى... يحفظ الحقوق والهوية العربية، ويدرأ عن هذه الأمة ما يحدق بها من أخطار جسيمة، تستهدف بقاءها ورفاهها، وكرامتها. ويأتي في مقدمة هذه الاخطار: المحاولات الصهيونية – الاستعمارية المسعورة للهيمنة على المنطقة... عبر : محاولة تمرير وفرض عدة أفكار جهنمية... تبدأ بفكرة «السلام,مع الأمن» الهلامية، و«السلام,مقابل السلام» الجوفاء... وفكرة الـ«شرق الاوسط الجديد»... التى يشير اليها البعض بـ«الشرق الاوسخ الجديد».... وكلها (على أي حال) أفكار (ومشاريع استعمارية – صهيونية) تدسّ السم الزعاف، في قشرة من الدسم الزائف.