يدور جدل حام حول واقع التعليم الجامعي لدينا، فهناك فريق يبحث عن أية ثغرة ليُبرزها من أجل تأكيد وجهة نظره، وهناك من يبحث عن اسلوب لسد الثغرات مستعينا بالشكليات، والمظاهر الحضارية كالمباني والصالات لكي يدين الطرف الأول. أما القائمون على العمل في مجال التعليم العالي فيبدو لي أن بعضهم (ولا أقول كلهم) يرى أن ليس بالامكان أبدع مما كان مهما عمل الآخرون من محاولات للتطوير والتجديد.. لأن لنا خصوصية نحن أعلم بها.
ومع أن هناك معايير للقياس يمكن الاعتماد عليها في تقويم مسيرة التعليم العالي الا أن نمطية الجامعات في ضوء نظامها الحالي جعلتها متشابهة الى حد كبير، وربما أدت تلك النمطية الى تثبيط الهمم، فالبيروقراطي داخل الجامعة (أو خارجها) يميل الى ان ما يراه من مظاهر كمية و شكلية كافٍ للرد على من يعدّهم متجنين على هذه الصروح التي نراها شامخة وما بذل فيها من أموال وجهود لكي تخرج بالمظهر الحالي. فهناك مبانٍ ضخمة، وصالات واسعة ومتعددة وممرات تبهج النظر، وبناء عليه فان المستوى الجامعي في بلادنا يضاهي -من حيث الشكل- ارقى الجامعات في العالم.
المعايير العالمية لجودة المؤسسة الجامعية هي:
1- إمكاناتها المادية، ومرافقها التي بُنيت وشُيدت.
2- مكانة اعضاء هيئة التدريس كلّ في مجال تخصصه، وهذا يعتمد على النشاط العلمي والبحثي، والمتابعة اليومية لمسؤولياته.
3- نسبة عدد الطلاب في كل تخصص الى

التفاعل العلمي بين الكفاءات
يؤجج رغبة الإبداع في الجامعة

الاستاذ الواحد، فالكليات النظرية -مثلا- قد يكون 15 طالبا للاستاذ الواحد مناسبا، لكن الكليات العملية تختلف فيها معايير النسبة بحيث ان خمسة طلاب للاستاذ الواحد مقبول كحد أعلى في كليات الطب وما في حكمها.
4- اسلوب التدريس حيث ان نمطية المحاضرة لا تكفي لايصال المعلومة وهضمها، بل لابد من التفاعل بين المحاضر والطلاب من خلال النقاش واستخدام التقنية المناسبة، وحداثة المعلومات مع عدم اهمال القديم النافع من المعلومات في الموضوع المطروح.
5- نسبة نشاط أعضاء هيئة التدريس في اجراء البحوث والدراسات في مجال اختصاصهم، ونسبة المحكم علمياً من هذه الجهود مقارناً بالجامعات الشهيرة.
6- التفاعل العلمي من خلال استقطاب الكفاءات من داخل الوطن وخارجه، لأن ذلك يؤدي الى التنافس وبالتالي يُؤجج رغبة الإبداع في المؤسسة محل التقويم.
7- تحديث المعامل والاجهزة المساندة دائما لكي تشجع على التطوير من قبل الطلاب والمدرسين، وعكس ذلك يؤدي الى اليأس والخمول والاكتفاء بما تعودنا عليه مع ما فيه من تأخر مقارنة بما وصل اليه من لديهم أجهزة ومعامل وبرامج تطويرية متجددة.
8- استقطاب الطلاب من مناطق الوطن المختلفة مع اتاحة الفرصة لعناصر متحمسة من خارج الوطن، لأن ذلك يُحرك لدى الطلاب الرغبة في ابراز الجهود والمواهب واستغلالها.
9- الاجازات العلمية لعضو هيئة التدريس لكي يقضيها في مجتمعات متقدمة للافادة مما لديها من ابتكارات وأساليب حديثة في مجال البحث والتدريس.
10- ألاّ يشعر عضو هيئة التدريس بأن حقوقه المادية مهضومة مقارنة بمؤسسات أخرى في الداخل والخارج تنصف عناصرها الفاعلة، وتشعرهم بأنها تعزهم وتحافظ عليهم.
11- مدى اقبال الشركات الخاصة والمؤسسات الوطنية الاخرى على استقطاب خريجي هذه الجامعة بالمقارنة بما يلقاه خريجو جامعة أخرى.
لهذا فإنني أرى أن هذه العوامل لن تتحقق إلا اذا أحس المسؤولون عن الجامعة المقوّمة بأنهم بحاجة الى اجراء هذا التقويم دوريا للتأكد من عدم ترهل جامعتهم أو تراخيها عن مسايرة الركب.
وقد يكون من السخف -في هذا السياق- الاشارة الى حقبة براقة في حياة التعليم العالي خلال العقد الاخير من القرن الرابع عشر الهجري، والعقد الأول من هذا القرن، حينما كانت الجامعات آنذاك لها تواصل مع الجامعات في الخارج، وتفاعل أساتذتها مع مؤسسات البحث العلمي، وحينما كان نظام الساعات المقررة مطبقا في جامعات الملك سعود، والملك عبدالعزيز و البترول والمعادن، وحينما كان التعليم الثانوي يخضع للتطوير من خلال الثانويات المطورة، ثم الثانويات الشاملة.
الا ان بعض السلبيات برزت في بعض ممارسات ضعاف النفوس، وهم قلة، أدت الى تطبيق مبدأ «الباب الذي تجيك منه الريح سده واستريح» في حين ان مبدأ «عالج المشكلات فور حدوثها وبحدود احجامها كان يمكن ان يكون به القضاء على تلك السلبيات والابقاء على الايجابيات.
وما زال المجال مفتوحا والحمد لله لتصحيح الاخطاء، ووضع القواعد المناسبة لتلافي تكرارها مع الابقاء على الايجابيات وتطويرها.