ضحايا الرأي يتساقطون كأوراق الخريف
حاتم الكاملي*
تم تقديم رجل عجوز يقارب السبعين عاما في ثياب رثه حافي القدمين نال شهره واسعة في التاريخ الفلسفي الى المحكمة في اثينا بتهمة الهرطقة وافساد الشبيبة والسخرية من معتقدات الدولة، وهو الذي كذب آلهه اليونان وقال بوجود اله واحد وبذلك تم الحكم عليه بلاعدام بجرعة السم.
التف حوله تلامذته يتناقشون في الفلسفة ويعرضون عليه الهرب وهم يحبسون دموعهم حتى اللحظة الأخيرة لكنه اعلن «انني كمواطن اثيني يجب ان احترم قوانينها وفي يوم تنفيذ الحكم استدعى زوجته وعندما بكت قائلة انهم يقتلونك وانت بريء. كان جوابه: وهل كان يسرك لو انني احكم بلاعدام مدانا؟
سقراط.. الفلتة العقلية والطفرة الانسانية حكم عليه بلاعدام.. لماذا؟
هنا يكمن السؤال.. ما هي التهمة الخطيرة التي ادين بها سقراط بحيث اعتبرت جريمة في نظر المجتمع؟ انها حرية الرأي؟ وهو بذلك يعتبر اول ضحية لحرية الرأي.
اما في التاريخ الحديث فان هناك الكثير من القصص المشابهة، كم من مؤلف ومفكر ومثقف حتى يومنا هذا قد غيبوا في غياهب السجون تحت قشرة الارض بحجة انهم يفسدون المجتمعات، فكل يوم تطالعنا الصحف بانباء الاعتقالات والاغتيالات والسيارات المفخخة.. وكلها جرائم ضد العقل والفكر، وضد الانسانية.
ولربما كان سقراط اسعد حظا من غيره في الوقت الحاضر حيث سمح بمحاكمته في حضرة كافة طبقات المجتمع.. بينما نجد الكثير من مفكري العصر واصحاب الرأي لايحظون بما حظي به سقراط، ويتم اغتيالهم من دون محاكمة ولا حتى مساءله.سقراط الرجل الفلتة لم يكن يحمل سلاحا في يده سوى افكاره ومقولته الشهيرة التي تقول «بانني لا اعرف شيئا» وله في هذه المقولة حكمة اخلاقية اولا وهي التواضع وثانية وهي انه وضع قدمه على اول طريق المعرفة لان من يعترف بانه لايعرف يكون قد بدأ السير في الاتجاه الصحيح.
ضحايا الرأي يتساقطون كأوراق الخريف. فمتى يحين وقت الربيع؟.
*جدة
أضف تعليقك