أشار الدكتور محمد الرشيد وزير التربية والتعليم السابق في «ثلوثية المشوح» كما أوردت «الحياة» إلى معاناته الشديدة من بعض معارضي توجهات الوزارة في عهده، واتهامه دون وجه حق باتهامات يصل بعضها إلى حد التشكيك في عقيدته بحيث أصبح موضوعاً لخطباء المساجد يوم الجمعة حتى إن أحدهم لم يتورع عن وصفه بالإنسان «الذي لا يؤتمن على عرض ولا تبرأ به ذمة»، وراح يسرد بعض المعوقات والمواجع التي تعرض لها خلال عمله.. وهي الفترة التي يعتبرها أحلك مرحلة مرت به في حياته.. خاصة ما يتعلق بدمج رئاسة تعليم البنات ووزارة المعارف.
ولعلي أتفهم جيداً معاناة الرجل الذي حاول جاهداً أن يصلح حال التعليم في بلادنا، والظلم الذي وقع عليه من قبل الطرف الآخر.. الذي امتهن الطعن في نوايا الناس وعقائدهم والتشكيك في توجهاتهم.. بل والمتوجس من كل ما هو جديد!
لقد عاصرتُ تلك الفترة القريبة التي تولى فيها الدكتور الرشيد الوزارة كمعلم قبل أن «أطلّق» التعليم طلاقاً بائناً لا رجعة فيه و«أتقاعد».. ولذا رأيت من الإنصاف أن أشير إلى بعض الجوانب التي لم يتطرق إليها الرجل.. التي كان بودي لو أشار إليها خلال حديثه، كان بودي لو أشار إلى

كان وطنياً غيوراً على وطنه، فحرص
على تأصيل فضيلة الانتماء للوطن

المنجزات التي تحققت في عهده والتي ما كان لها أن تتحقق لولا دعم ولاة الأمر في بلادنا، ولم يكتف بسرد مواجعه والتي هي بالتأكيد مواجع كل المخلصين الذين يريدون أن يحدثوا تغييراً واصلاحاً وتطوراً في أي مرفق عام.. فما بالك إذا كان ذلك يتعلق بمرفق هام كالتعليم.
مشكلة الطرف الآخر أنهم يتعاملون مع المسؤول في ضوء قربه أو بعده عنهم، والدكتور الرشيد.. ليس حالة استثنائية.. فقد تعرض الكثيرون ومازال غيره من وزراء ومسؤولين لحملات التشهير، والتشكيك، لا لشيء إلا لأنهم أرادوا أن يعملوا وفق مفاهيم تلائم العصر الذي نعيشه.. وفي النهاية لا يصح إلا الصحيح، فالحق يعلو دائماً..
ما لم يقله الدكتور الرشيد.. أنه أحدث في مجال التعليم نقلة نوعية، وأحدث تغييراً وإصلاحاً في بنية التعليم، وأنه كان شديد الإيمان بالتحديث الذي يفضي إلى مواكبة الزمن ومسايرة الأمم التي تنشد التقدم والازدهار.
كان وطنياً غيوراً على وطنه، فحرص على تأصيل فضيلة الانتماء للوطن.. من خلال توجيهاته بضرورة عدم التساهل في أداء النشيد الوطني ورفع العلم ومعاقبة المتقاعسين عن ذلك من معلمين وطلاب وتدريس مادة التربية الوطنية لترسيخ هذا المفهوم في وقت نشط فيه دعاة «الأممية» والذين نادوا بتهميش قيمة الانتماء للوطن باعتبارها لا تمت إلى الإسلام بصلة!.. وأزعم أنه قد أعاد للمعلم شيئاً من قيمته وكرامته من خلال إصدار بطاقة المعلم، ومحاولته إنشاء ناد للمعلمين لمزاولة الأنشطة الثقافية والرياضية، وكان حريصاً على تنمية ثقافة المعلمين من خلال دعوته بضرورة تفعيل النشاط الثقافي والعلمي والدعوة إلى ارتياد المكتبات وإقامة أندية لتلك الأنشطة داخل المدرسة. وحرص على أخذ آراء المعلمين في المناهج الدراسية رغبة في التغيير والإصلاح من خلال استبيانات وزّعت على المدارس.. كذلك اهتمامه بالأنشطة اللاصفية بوصفها مكملة للعملية التعليمية؛ ودعوته إلى محاربة التطرف والغلو، والدعوة إلى الوسطية وضع توزيع الأشرطة في المدارس بدون موافقة الوزارة.
إنني أعتقد أن الرجل وقف بشجاعة ضد من أرادوا أن «يأســــروا التعليـــم»، وطالبهــــم بالعودة إلى جادة الطريق وإلا فإن عليهم أن يبحثوا عن عمل آخر غير التعليم.
أقول قولي هذا إنصافاً للرجل لاغير، مع يقيني بأنه سيأتي اليوم الذي سينصفه التاريخ باعتباره أحد الرموز التربوية التي اجتهدت لتضيء لأجيالنا المقبلة دروب المعرفة والنور والتطور.. وترك بصمات لن تمحى في مسارنا التعليمي، وأظن أن من الحيف ألا ننصف الرجل.. وألا نذكره فنشكره على ما قدم للتعليم في بلادنا من خدمات.. والله من وراء القصد.
تلفاكس 076221413