الجماعات المسلحة في مصر.. من المواجهة إلى المصالحة
كان كتاب« تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء» إحدى المحطات الهامة في المراجعات وهو كتاب «صادر في يناير 2002 وبالتزامن مع كتاب مبادرة وقف العنف رؤية واقعية ونظرة شرعية»، وكتاب تسليط الأضواء كتاب من القطع الصغير وصدر في 148 صفحة ويقر مؤلفو الكتاب وهم حمدي عبد الرحمن عبد العظيم وناجح ابراهيم وعلي محمد علي الشريف من الصفحة الأولى في الكتاب أن هداية الخلائق إلى الله هي الغاية الأسمى للدعاة إلى الله، وهي أعظم غاية، فالدعاة مهمتهم تحبيب الناس في ربهم وخالقهم وسوقهم إلى صراط الله المستقيم بأسهل وسيلة. أما الحسبة والجهاد هما وسيلتان لتعبيد الناس لربهم ولذا فإن هداية الخلائق مقدمة على الجهاد إذ أن الغاية مقدمة على الوسيلة.
في الباب الأول: شرعية التغيير في الاجتهادات الفقهية.يقول مؤلفو ومعدو هذا الكتاب: ولما كان ربنا سبحانه وتعالى قد جعل الشرائع متغيرة مراعاة لاختلاف الزمان والمكان واختلاف الأقوام والاجناس، فلا حرج اذن على العلماء والمجتهدين ان يغيروا من اجتهاداتهم وفتواهم من اجل ذلك، ولهم كذلك ان يغيروا من اجتهاداتهم اذا تبين لهم الحق في خلافها، بل يجب عليهم ذلك (ص29). ويستعرض مؤلفو ومعدو الكتاب آراء بعض الأئمة في هذا الباب: فالإمام مالك إمام أهل المدينة يقول مشيراً إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم {كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا النبي صلى الله عليه وسلم».
والإمام الشافعي يقول: {إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث واتركوا قولي، أو قال مذهبي« ويقول الإمام النووي وهو شافعي المذهب: {كل مسألة فيها قولان للشافعي رحمه الله قديم وجديد فالجديد هو الصحيح وعليه العمل لأن القديم مرجوع عنه».
ومن أجل تأكيد شرعية التغيير في الاجتهادات الفقهية يستشهد المؤلفون بالخليفة عمر بن الخطاب رضى الله عنه: فقد منع سهم المؤلفة قلوبهم لان الاسلام صار في قوة ومنعة، ومنع إقامة الحد على السارق في عام المجاعة ص(36).
الباب الثاني: تصحيح مفهوم الجهاد: الجهاد وسيلة وليس غاية.
يقول مؤلفو الكتاب في هذا الفصل: (ولما كان فيه - أي الجهاد) بذل الأموال وترك الزوجات والذريات وهجر المساكن والأوطان، ولما كان فيه قتل الأنفس وإراقة الدماء في كل واد وسبيل، وحتى لا يختلط الحابل بالنابل، ولا يدري القاتل فيما قتل ولا المقتول فيما قتل، وللدلالة على عظم مكانه الروح والنفس عند الله عز وجل فإن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول في ذلك: (لزوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم) ويقول صلى الله عليه وسلم وهو يطوف بالكعبة: (ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله منك، ماله ودمه) ص (49).
وفي حديث آخر للنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (ولو أن أهل السماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار). ويقول المؤلفون بعد ذلك عن الشباب: فكان واجبا علينا أن نبصرهم ان الجهاد ليس هدفا في ذاته ولا غاية، إنما هو وسيلة لرفع رأية الدين وإعلاء لكلمة الله تعالى، فإذا لم يحقق الجهاد غايته كان ممنوعا لما فيه من اراقة الدماء وذهاب الأرواح والأموال، والجهاد مع عدم تحقيق الغاية منه: غلو وتشدد مذموم في الشريعة. ص (49).
وفي تفسير الآية الكريمة }وقاتلوهم حتى لا تكون فتنه ويكون الدين كله لله |يرى مؤلفو الكتاب أن القتال فرض لمنع الفتنه، أما إذا أدى القتال إلى فتنة ولم يحقق مقاصده المشروعة، فهو ممنوع شرعا وعقلا، ويستنبطون ذلك من اسقاط فريضة الحج اذا لم يأمن الحاج على حياته وماله، وكذلك الصيام في حالة المرض ويقولون: وهكذا كل عمل رجحت فيه المفسدة على المصلحة كان ممنوعا شرعا واذا رجحت المصلحة على المفسدة كان مشروعا، ويستدلون بقول الشاطبي في الموافقات: (لما ثبت أن الاحكام شرعت لمصالح العباد، وكانت الأعمال معتبرة بذلك لانه مقصود الشارع، فاذا كان الامر في ظاهره وباطنه على اصل المشروعية فلا اشكال، وان كان الظاهر موافقا والمصلحة مخالفة فالعمل غير صحيح وغير مشروع، لأن الأعمال الشرعية ليست مقصودة لنفسها وانما قصد بها أمور أخرى هي معانيها، وهي المصالح التي شرعت من أجلها) ولذلك يرى المؤلفون انه اذا لم يحقق الحكم الشرعي المصلحة المرجوه منه، بل حقق مفاسد أو رجحت كفة المفاسد على كفة المصالح كان العمل غير شرعي وغير صحيح، ثم يعتمد المؤلفون على بعض اقوال العلماء في هذا الشأن مثل قول ابن تيمية: (اذا تعارضت المصالح والمفاسد والحسنات والسيئات وتزاحمت فانه يجب ترجيح الراجح منهما فان الأمر والنهي منهما وان كان متضمنا لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة فينظر في المعارض له.
وإن كان الذي يفوق من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأمورا به بل يكون محرما اذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته. وكذلك يقول ابن تيمية: (الشريعة جاءت لتحصيل المصالح وتكميلها وتحصيل أعظم المصلحتين وتقليلها، وأنها ترجيح خير الخيرين وشر الشرين، وتحصيل أعظم المصلحتين وتفويت ادناهما، وتدفع أعظم المفسدتين باحتمال ادناهما، قال تعالى: }يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهما أكبر من نفعهما| ص (53). والقول الثالث للدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: (أجمع جمهورالفقهاء على أن المسلمين اذا كانوا من قلة العدد او ضعف العدة بحيث يغلب الظن على أنهم سيقتلون من غير أي نكاية في اعدائهم اذا ما اجمعوا قتالهم ينبغي ان تقدم هنا مصلحة حفظ النفس، لان المصلحة المقابلة وهي حفظ الدين موهومة أو منفية الوقوع، ويضيف البوطي: وتقديم مصلحة النفس هنا من حيث الظاهر فقط أما من حيث حقيقة الأمر ومرماه البعيد فانها تقتضي في مثل هذه الحالة ان تبقى ارواح المسلمين سليمة لكي يتقدموا ويجاهدوا في الميادين المفتوحة الأخرى وإلا فان اهلاكهم يعتبر اضرارا بالدين نفسه وفسحا للمجال امام الكافرين ليفتحوا ماكان مسدوداً من السبل. ص (54).
والقول الآخر لمحب الدين الخطيب حيث يقول : (من سياسة الاسلام ان يختار المرء في كل حالة أقلها شراً وأخفها ضررا، فاذا كان للخير

لا يليق أن يتصدى لمسائل الجهاد والدماء والاموال من ليس له من العلم إلا بضاعة مزجاة
الجهاد مع عدم تحقيق الغاية منه غلو وتشدد مذمومان في الشريعة
الاحتساب الذي يتسبب في ايقاع الأذى بالغير ويتخطى قواعد الشريعة تعدٍ منهي عنه
قتال الحكومات مفسدة عظيمة وتضييق على الدعوة وهو أمر لا شك في تحريمه
إذا لم يحقق الجهاد غايته كان ممنوعاً لما فيه من إراقة الدماء وذهاب الارواح والأموال

قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فالاسلام يهب الى قمع الشر بقوة الخير، وان لم يكن للخير قوة غالبة تقمع الشر وتضيق دائرته فمصلحة الاسلام في عدم استخدام القتال. ص (55).
ويصل المؤلفون إلى الخلاصة في هذا الباب (أن الاصرار على القتال سواء في مصر او غيرها من البلدان طالما انه قد جلب من المفاسد العظيمة على الدين والدنيا ولم يحقق أي مصلحة تذكر لا في دين ولا في دنيا كان هذا القتال محرما وممنوعا شرعا وعقلاً).
حرمة القاء النفس في التهلكة
يشير المؤلفون في هذا الفصل إلى أن الشباب قد غالوا وحملوا أنفسهم مالا طاقة لهم به، وخرجوا حاملين السلاح على الدولة مما نتج عنه من مفاسد ومصائب كبيرة وقتل بين الطرفين، ولم يعلموا أن الله عز وجل يقول (لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) كما يستدل المؤلفون بطائفة من أقوال العلماء في هذا الأمر مثل قول ابن تيمية (ان الأمر بقتال الطائفة الباغية مشروط بالقدرة والامكان اذا ليس قتالهم بأولى من قتال المشركين والكفار، ويعلم ان ذلك مشروط بالقدرة والامكان) كما ان عدم القدرة يؤدي إلى النهي عن القتال لان مفسدته أعظم من مصلحته كما ورد في الآية الكريمة (الم تر الى الذين قيل لهم كفوا أيديكم) ص (64). ويصل مؤلفو الكتاب إلى خلاصة هذا الفصل بقولهم: (ان القاء النفس في التهلكة منهى عنه شرعا وعقلا وهؤلاء الشباب الذين يقدمون على قتال الحكومات القوية فيهلكون انفسهم دون أي نفع للاسلام والمسلمين، بل هم يتسببون في العديد من المفاسد والشر، والتضييق على الدعوة الاسلامية وعلى رجالها فهذا لا شك في منعه وتحريمه) ص (64).
حرمة قتل المدنيين
ولما كان الاسلام دين الحياة بكل تفاصيلها واوقاتها وظروفها في السلم والحرب فقد وضع الله عز وجل في كتابه الكريم وبحديث نبيه المصطفى صلى الله عليه وسلم ما يتعلق بشؤون المسلم وعلاقاته مع الآخرين بالعدل والرحمة ويقول: المؤلفون في هذا الصدد: (لم يطلق الإسلام يد أتباعه في جهادهم ضد أعدائهم، بل وضع لهم أعظم الدساتير التي عرفها الكون على مر الدهور والعصور، دستوراً ملؤه الرحمة والعدل والقسط لأن هذا الدين لم يضعه البشر بل هو من عند الله رب العالمين، فكان هذا الدين عدلاً و قسطاً و رحمة للعالمين) ص (69).
إن القرآن ينزل يبرئ واحداً من اليهود والأعداء كما أن الله يوجه نبيه بعد مقتل عمه حمزة في غزوة أحد و يقول عز وجل }وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين| .
ويوضح المؤلفون ما أسموه (الدستور الإسلامي للقتال في الإسلام) وفصلوه في مجموعة من المواد:
أولاً: لا يجوز قتل النساء و الأطفال و الشيوخ.
ثانياً: لا يقتل أعمى والذمي ولا الراهب ولا العبد ولا الفلاحين ولا الصناع.
ثالثاً: حرمة قتل المدنيين الذين ليسوا من أهل المقاتلة والممانعة.
رابعاً: لا يجوز التمثيل بجثث القتلى.
خامساً: لا تهدم منازل المحاربين ولا تحرق محاصيلهم وزروعهم ولا تقتل دوابهم لغير مصلحة.
سادساً: الرحمة بالأطفال و الصبيان.
سابعاً: لا يقتل الرجل أباه ولا ذا رحم.
ثامناً: لا يجوز قتل رسل الأعداء.
تاسعاً: لا يقاتل الكفار والمشركين قبل دعوتهم إلى الإسلام.
عاشراً: لا يجوز نقض العهد.
نظرات في التاريخ
يقول مؤلفو الكتاب: «ان الخروج على الحكام والأمراء أمثلة عديدة سجلتها كتب التاريخ أيام السلف إلى أيامنا هذه والعاقل اللبيب من ينظر إلى هذه الأمثلة نظرة اعتبار وتفحص ليستخلص منها بعد ذلك الدروس والعبر، وليس بعاقل من يغفل عن هذه التجارب والأمثلة وقديماً قلنا: انه ينبغي أن يبدأ من حيث انتهى الآخرون لا من حيث بدأوا، لنكون بالفعل مستوعبين لما سبقنا من تجارب» ص 103.
الصلح خير
ولما نزغ الشيطان بين المسلمين الأوائل أشهرت السيوف في وجوه المسلمين ولا تزال إلى يومنا هذا. فصرنا كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (غثاء) وتفرقنا إلى دويلات وأحزاب وشيع وطوائف شتى وأصبحنا أهون من في الأرض، وقد أمر الله بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف قال تعالى: }وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان| ويقول ابن تيمية في هذا: (ان الله تعالى أمر بالجماعة والائتلاف ونهى عن الفرقة والاختلاف) وقال تعالى: }ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم|.
أما فيما يتعلق بالصلح بين المسلمين وغيرهم فيرى المؤلفون أن ذلك جائز لقوله تعالى: }وان جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله| ويقول صاحب الهداية: (فإذا راى الامام أن يصلح أهل الحرب أو فريقا منهم وكان في ذلك مصلحة للمسلمين فلا بأس به).
كما وادع رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين ولأن الموادعة جهاد معنى إذا كان فيه خير للمسلمين لأن المقصود هو دفع شر حاصل به (ويستخلص مؤلفو الكتاب من فقه صاحب الهداية) وهو يؤكد على أن الاسلام ليس نصوصا جامدة ولا تكاليف لا يقوى البشر عليها ولا على حملها، ولكن الاسلام دين واقعي يراعى قدرات البشر وواقعهم ويجعل المسلم الصالح يستطيع ان يوفق بين الحكم الشرعي والواقع العملي، وأن يوفق بين الواجب والواقع كما يقول البعض.
وفي ختام هذا الكتاب (تسليط الأضواء على ما وقع في الجهاد من أخطاء) يهمس المؤلفون في أذن الشباب: (أن أحرى المسائل وأولى القضايا بالتدقيق فيها، ولزوم الورع في تناولها، والتأني في الخوض فيها، هي مسائل الجهاد التي تتعرض للدماء والأموال، فعلينا أن نكل هذه المسائل لأهل العلم والاجتهاد فاذا كنا نتحرى أقوال المجتهدين وفتوى المفتين في مسائل الطهارة والنجاسة، فهل يليق ان يتصدى لمسائل الجهاد والدماء والأموال من ليس لديه من العلم سوى بضاعة مزجاة؟
النصح والتبيين
ويعد كتاب النصح والتبيين في تصحيح مفاهيم المحتسبين، الحلقة الثالثة في سلسلة المراجعات التي صدرت عام 2002، وهو من تأليف وإعداد: علي محمد علي الشريف، وأسامة ابراهيم حافظ، وراجعه وأقره مجلس شورى الجماعة، ويقع الكتاب في 176 صفحة من القطع المتوسط.
يطرح الكاتبان في المقدمة سؤالا هاماً يقول: لماذا المراجعة الآن؟ ويجيبان على ذلك: (أسباب كثيرة توجب هذه المراجعة ابرزها اكتشاف الأخطاء والأوبة منها، وتصحيح المسار، وكف النفس عن العجب والغرور بما تعلم من أخطائها لتتواضع لله وتخشع له، هذا عن أثرها في اثراء الفقه بالحوار مع النفس والغير، وتنشيط روح الاجتهاد، والتخلي عن الجمود على القديم وادعاء العصمة له مع تأكيد مرجعية الشرع، والتخلص من المرجعيات الدنيوية للأشخاص أو المبادئ والافكار ولايخفى أثر تكرار المراجعة في تربية المجتمع على إحسان الظن بالناصحين وافتراض الصدق فيهم، فالحكمة ضالة المؤمن حيثما وجدها فهو أحق الناس بها) ص.(5). وبعد ذلك يسوق المؤلفان معوقات المراجعة مثل إحسان الظن بالنفس والاعجاب بالعمل، وتقديس المقدمين والمغالاة فيهم، والجهل والهوى، ومصادرة الرأي الآخر وارهابه، وشماتة الشانئين، والفهم الخاطئ بان التصويب يعني اهدار الفضل، والعلاقة التصادمية بين فصائل العمل الاسلامي، وتوهم فتنة الاتباع، والخطأ في مفهوم الثبات على الحق.
ثم تناول المؤلفان في مدخل بعنوان بين يدي البحث الهدف من تشريع الحسبة بالقول أنها شرعت لحماية المجتمع من الداخل يقول الله تعالى: }ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون| فالآية تجعل الحسبة مناط الفلاح في الدنيا والآخرة، والأمر وان كان للوجوب الا ان التعبير القرآني مستخدما (منكم) يدل على انها فرض كفاية. ص(20).
وكان طبيعيا ايضا ان تكون هناك تجاوزات في تنفيذ الأمر اذ ان الناس جميعا لا يمكن ان يكونوا على علم بفقة الأمر، أو يتحقق في حميع المواصفات اللازمة فيمن يتصدى له، بل ومثل كل أمر كثيرا ما يدخل اصحاب الأهواء والاغراض فيه فيزيدوا من التجاوز والخلل في التطبيق .ص (25). ويختتم المؤلفان هذا المدخل بقولهما: وبعد.. ونحن نشارك في التصدي لقضية الغلو في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بجهدنا المتواضع انما نسعى للمساهمة في تفعيل دور افراد المجتمع بصورة خالية من التجاوز والبعد عما شاب التطبيق في مراحل سابقة من تجاوزات كان فيها من الاضرار والمخالفات الشيء الكثير مما فرغ تنفيذ هذه الفريضة من كثير فاعليتها وأضر بها وبمن قام على تنفيذها. ص (29).
الإخلاص في الحسبة
يبدأ المؤلفان في الباب الأول بعنوان الإخلاص في الحسبة بقولهما: (تتعدد صور التجاوز في عملية الاحتساب، فلكم رأينا وسمعنا عن بعض من تصدى لهذا الأمر لا لشيء إلا لأنه يوافق رغائبه في التسلط والقهر على الناس، فسمعنا عن بعضهم يتغافل عن بعض مراحل الاحتساب اشباعا لشهوة العنف. بل انه كثيرا مايحزن ان زال المنكر قبل قدومه لانه حرم لذة التشفي من صاحب المعصية. ولوكانت نيته صالحة لكان فرحه بزوال المنكر قبل وصوله أشد اذ أن المحتسب الصادق لا يبغى إلا الخير للناس) ص (33).
إياكم والظن
تحت هذا العنوان وفي الباب الثاني يبين المؤلفان القصد من الظن السيئ كما عرفه ابن كثير (التهمة والتخون في غير محله، وعدم التحقيق في الأمور، والحكم على الشيء بدون دليل) ويقولان: (وتكمن خطورة انتشار ظاهرة الظن السيئ في المجتمع ان افراده لا يشعرون بالامان والاستقرار تجاه بعضهم، اذ يتربصون بكل كلمة أو حركة تصدر من الآخرين لكي تبنى عليها جبال من الخيالات والأوهام والتوقعات السيئة التي تتحول في النفس الى حقائق يتعامل افراد المجتمع بعضهم البعض على أساسها، فيتجهم في وجه هذا ويقاطع هذا، بل وقد يضرب أويقتل الآخرين مستنداً على هذه الظنون المتراكمة في خياله المريض بينما هي لا وجود لها في الواقع. ص(45).
ويتحدث المؤلفان عن نتائج الظن السيئ وأضراره وما يتبعه من التجسس والغيبة والنميمة، ولهذا كان النهي الشديد عن هذا في قوله تعالى: }يا ايها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم| وفي حق المحتسب يكون النهي أشد، وذلك ان الله تعبدنا بالوسائل كما تعبدنا بالغايات، وان الظن الحسن هو الوسيلة المشروعة في التعامل مع المسلمين، بينما لا يجوز ان يكون الظن السيئ هو المقدمة لتتبع الجريمة والتصدي لها، لان النبي صلى الله عليه وسلم قالها بحسم: (واذا ظننت فلا تحقق) وكذلك يشيران الى حديث معاوية: (انك ان اتبعت عورات الناس افسدتهم او كدت ان تفسدهم) ص(50).
وفي نهاية هذا الباب يقول المؤلفان: (فلينتبه كل من يتصدى للاحتساب لذلك الخط الأحمر فلا يتشوق الى المنكرات، ولا يتلصص على البيوت، ولا يعترض رجلا يسير مع امرأة دونما ريبة او يسأل من تلك التي معك فكل هذا وأمثاله تجسس منهي عنه.
الستر
يقول المؤلفان في الباب الرابع أن التشهير بصاحب المعصية يكسر حواجز الحياء التي تمنعه من التبجح و المجاهرة بمعصيته وتشيع هذا المنكر بين الناس وتولد في قلوبهم الاستهانه به، لذا كان الستر على صاحب المعصية ضابطاً هاما يحيط هذا الواجب العظيم بروح التواضع والدعوة وينظمه في منظومة الإسلام المتكاملة.
ويقول المؤلفان في ختام هذا الباب: «نعم الستر هو هدى النبي صلى الله عليه وسلم في الاحتساب على أصحاب المنكرات» وقد وعد الشارع الحكيم من يستر على صاحب المعصية بالستر في الدنيا و الآخرة بل وبدخول الجنة وذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: «من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا و الآخرة» وكذا في حديث أبى سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يرى مؤمن من أخيه عورة فيسترها عليه إلا أدخله الله بها الجنة» ص57. ثم يقولان: ولا يخفى أن الستر على أصحاب المنكرات يعد من أهم واقيات المجتمع من إشاعة الفاحشة وانتشارها بين الناس، وهو الهدف الأساسي من الحسبة والتصدي لأهل انحراف. ص76.
لا ضرر ولا ضرار
يقول المؤلفان ان الاحتساب الذي يتسبب في إيقاع الأذى بالغير، والاحتساب الذي يتخطى قواعد الحسبة الشرعية كلها من التعدي المنهي عنه. ولذلك كانت القاعدة الشرعية التي يوجزها الحديث: «لا ضرر ولا ضرار» باباً هاماً من ضوابط الحسبة.
ويضيفان ان الأصل أن الضرر يزال ولكن لا ينبغي أن تتم هذه الازالة عن طريق إلحاق الضرر بالآخرين.
وفي نهاية الباب يستند المؤلفان إلى الإمام الغزالي حيث يقول: «فإذا تعدى الأذى في حسبته إلى أقاربه وجيرانه فليتركها فإن إيذاء المسلمين محظور» وهذا في الأقارب والجيران وهم أرجى للتنازل عن الحقوق والمسامحة بها فكيف بمن بعدت شقته فهو بلا شك أولى. ص82.