الخلاف في الاسلام.. الحدود والآداب
د. مجدي سرور باسلوم
الخلاف والجدل منه المقبول ومنه المردود فأما المقبول فهو المضبوط بضوابطه الشرعية وأما غير المقبول فهو الناشئ عن الهوى المضل لا عن تحري قصد الشارع باتباع الأدلة. والخلاف له دوافعه فمن هذه الدوافع ما مصدرها الهوى والرغبة في اظهار العلم ومن الدوافع ما مصدرها البحث عن الحق وطلب الهداية. وعلى الرغم من اباحة الاسلام للخلاف في بعض الأمور فانه ضيق دائرته كثيرا لأن للاختلاف اضرارا كثيرة علمها الصحابة الكرام فكانوا يحذرون منها. وعند وقوع الاختلاف لابد من الالتزام بآدابه التي من أهمها رد الأمر الى الله ورسوله ومنها الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى ومنها عدم حمل الناس على الرأي الواحد بل من حق كل واحد ان يبدي اجتهاده ما دام يبتغي الحق والكل متبع. كان هذا أبرز ما ورد في الجزء الأول من هذه الدراسة للدكتور مجدي باسلوم واليكم الجزء الثاني والمتمم لهذه القضية.
من الآداب ايضا: الالتزام بالتقوى وتجنب الهوى، وذلك من شأنه ان يجعل الحقيقة هدفا للمختلفين، حيث لا تهم اي منهم ان تظهر الحقيقة على لسانه او على لسان اخيه. ومنها: التزامهم بآداب الاسلام في انتقاء اطايب الكلام، وتجنب الالفاظ الجارحة بين المختلفين مع حسن استماع كل منهما للآخر، وتنزههم عن المماراة ما أمكن، والجدية في البحث والاستقصاء، بغية الوصول الى الحق والصواب. ومنها: ان يجعل المختلفين اخوة الاسلام -وهي أصل من الأصول الاسلامية- نصب أعينهم، اذ لا قيام للاسلام بدونها، فهي فوق الخلاف او الوفاق في المسائل الاجتهادية. ومنها: ان الخلاف لم يتطرق الى المسائل الاعتقادية، بل انحصر في الفروع، ومنها: ان نظرة السلف الصالح الى استدراكـــات غيرهم عليهم انها معونة، يقدمها المستدرك منهم لأخيه، وليست عيبا او نقدا، ومنها: انهم لم يكونوا يحملون احدا على ما ذهبوا اليه من آراء، ولذلك نقل عن أبي حنيفة انه قال:(هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر عليه أحدا عليه، ولا نقول: يجب على احد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به).
فالكل متبع، فحين تصح السنة او يرد نص قطعي فلا مخالف واذا حدث فانه اختلاف في فهمهما، يسلم كل للآخر ما يفهمه، ما دام اللفظ يحتمله، ولا شيء من الأدلة الصحيحة عند الفريقين يعارضه.
لم يكن في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يدعو الى الاختلاف، ذلك انه اذا حزبهم أمر، أو طرأ لهم طارئ، فزعوا الى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألوا، فيفتيهم رسول الله، ويدلهم على طريق الهداية، وكان مطمئنين الى حكمه صلى الله عليه وسلم، فما كان لاحدهم رده او النزوع عنه.
ولكن هذا لا يعني ان الاختلاف في عهده لم يقع بالكلية، فقد كان بعض المسلمين البعيدين عن المدينة تقع لهم احداث ولا يستطيعون ردها الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لبعدهم، فيختلفون حولها، مثل اختلافهم في تفسير ما يعرفونه من كتاب الله او سنة رسوله صلى الله عليه وسلم وتطبيقه على ما نابهم من احداث، وقد لا يجدون في ذلك نصاً فتختلف الاقوال بناء على ذلك، فإذا عادوا الى المدينة، والتقوا برسول الله عرضوا عليه ما فهموه من النصوص او ما اختلفوا فيه، ومن امثلة اختلافات الصحابة على عهد رسول الله

ما اختلفت الأمة وبعدت بين أتباعها الشقة إلا بعدما اتخذوا القرآن مهجورا

ورجوعهم بعد الاختلاف اليه صلى الله عليه وسلم ما رواه ابو سعيد الخدري رضي الله عنه قال: خرج رجلان في سفر، فحضرت الصلاة وليس معهما ماء، فتيمما صعيداً طيباً، فصليا، ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد احدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الآخر، ثم أتيا رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرا له ذلك، فقال للذي لم يعد: «أصبت السنة وأجزأتك صلاتك» وقال للذي توضأ وأعاد «لك الأجر مرتين» رواه ابو داوود والنسائي.
ومن اختلافهم ايضا ما رواه البخاري ومسلم ان النبى صلى الله عليه وسلم قال بعد غزوة الاحزاب وهمه بغزو يهود بني قريظة: «لا يصلين احد العصر الا في بني قريظة» فأدرك بعضهم العصر وهم في الطريق، فقال قوم: لا نصلي حتى نأتيها، أي نأتي ديار بني قريظة، وقال آخرون: بل نصلي، فلما ذكرت الواقعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم لم يعنف احداً وهذه الحادثة تدلنا على أمرين:
الاول: ان المسلم له ان يأخذ بظاهر النص دونما تأويل.
الثاني: ان المسلم له ان يستنبط من المعاني ما يحتمله النص، ويمكن التدليل عليها، فالفريق الذي صلى من الصحابة في الطريق ولم يؤخر العصر حتى القدوم على ديار بني قريظة فهم من النص ان المراد هو المبالغة في الاسراع، ومن ثم اقرهم رسول الله ولم يعنفهم.
اتسع الاختلاف بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد استجدت امور، وظهرت احداث، استدعت بيان وجه الحق فيها، لكنهم رضوان الله عليهم في اختلافهم كانوا ملتزمين بآداب الاسلام الرفيعة التي سبق بيانها في مقال سابق، وكانوا ايضاً وقافين عند كتاب الله، وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وبعد وفاته صلى الله عليه وسلم التزم الصحابة الآداب الاسلامية التي وضعها لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا وقافين عند حدود الله، وكتابه وسنة نبيه، ورأينا كيف ان عمر رضي الله عنه ثاب الى رشده لما سمع أبا بكر يتلو: «وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل» كما في قصة وفاة النبي صلى الله عليه وسلم وكما وقف عمر عند كتاب الله، وقف الصحابة رضوان الله عليهم عند سنة رسول الله، فقد اختلفوا في مكان دفنه عليه الصلاة، فقال فريق ندفنه في المسجد، وقال آخرون: ندفنه مع اصحابه، فقال ابو بكر: «إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما قبض نبي الا دفن حيث يقبض» فرفع فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي توفي عليه، فحفر له تحته. رواه الترمذي.
فاختلاف الناس حول وفاة الرسول ودفنه امران خطيران، عصم الله الامة من شره بسبب يقظة ابي بكر وفقهه، واذعانهم لكتاب الله وسنة رسول صلى الله عليه وسلم، فلم يكن هناك من عجب ان يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي ابداً كتاب الله وسنتي».
وما اختلفت الامة الاسلامية وبعدت بين اتباعها الشقة الا من بعد ما اتخذوا القرآن مهجوراً، وتنكبوا سنة نبيهم صلى الله عليه وسلم، سواء عن قصد، او عن عدم فهم، فأصبح الاختلاف داء مستفحلاً، شمل كل حقل، وكل مصر، وكل مجتمع، وضم في دائرته البغيضة الفكر والعقيدة والتصور والسلوك والاخلاق والمعاملة والاهداف والغايات، فغدت الأمة اشتاتاً متفرقة، اهلها حيارى، يخافون ان تخطفهم الطير، او تهوي بهم الريح في مكان سحيق، التدابر والتناحر هو السمة المميزة لهم، حتى اجتمع عليهم أعداؤهم، فغدوا اللقمة السائغة على موائد اللئام، ذلك انهم لم يفقهوا عن الله قوله: (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) «آل عمران» ولم يفهموا عن الله ما قصة عليهم من تاريخ الامم السابقة الذين دب فيهم داء الفرقة والاختلاف فانتهوا وانتهى امرهم، قال الله تعالى: (ولا تكونوا من المشركين، من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون) «الروم 31، 32» ألم تعلم الأمة ان الفرقة والاختلاف ليسا من هدى نبيها محمد صلى الله عليه وسلم الذي خاطبه ربه قائلا: (ان الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) «الانعام 159».
ان الاختلاف في وجهات النظر وتقدير الاشياء والحكم عليها امر فطري طبيعي، فطر الله الناس عليه (ولو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة ولا يزالون مختلفين) «هود 118» لكن ان يصل الاختلاف الى حد الفرقة والتنازع والشقاق وان يعجب كل ذي رأي برأيه، حتى ولو كان مبعثه الهوى والضلال، فهذا ما لا يرضاه الاسلام ولا يبيحه.
فإذا أرادت الامة الاسلامية الآن القوة والسؤود والعزة، فعليها الاعتصام بكتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فالله يأمر بالاعتصام، بالتمسك، بالاحتماء، بحبل الله، وحبل الله هو القرآن الكريم وسنة المصطفى عليه الصلاة والسلام، ولقد شبه تمسك المسلمين بكتاب ربهم وسنة نبيهم، وما هم عليه بعد التمسك والاجتماع والتكاتف بحالة استمساك المتدلي من مكان عال بحبل متين يأمن معه عدم السقوط، والحبل هو السبب الذي يوصل الى البغية والحاجة، ولذلك سمي الامان حبلا، لانه السبب الموصل الى زوال الخوف، والنجاة من الجزع والذعر، من ذلك قول الله تعالى (الا بحبل من الله وحبل من الناس) (آل عمران 112) فالاعتصام بحبل الله وسنة نبيه يوجب الهداية لصاحبه، ويحميه من البدعة وآفات العمل، وعليه مدار السعادة الدنيوية والاخروية، اذ لا نجاة الا لمن تمسك بهما.
واذا ارادت الامة الاعتصام والبعد عن الاختلاف المفرق البغيض فعليهم ان يقتدوا بسلف الامة الصالح الذين كانوا على قلب رجل واحد، والذين اشار اليهم الحق تبارك وتعالى في قرآنه فقال مخاطباً رسوله: (وألف بين قلوبهم، لو انفقت ما في الارض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم انه عزيز حكيم) (الانفال 63) هؤلاء الف الله بين قلوبهم لما استمسكوا بتعاليم القرآن الكريم والسنة المطهرة، فوصلوا الى درجة من الاتفاق والتآخي قلما نجد مثيلا لها في التاريخ، فالانصار قاسموا المهاجرين اموالهم وديارهم، على الرغم من الحاجة والخصاصة (ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة) (الحشر 9) وهؤلاء وصلوا الى هذه الدرجة من الحب والإيثار والتآلف بعد ما كانوا في الجاهلية متباغضين متعادين يسفكون دماء بعضهم بينهم بالحروب الضارية، فما الذي غيرهم؟ ما الذي حول العداوة بينهم الى تآلف ومحبة؟ انه اعتصامهم بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
والفرق الاسلامية كلها تدعي رجوعاً الى الكتاب والسنة، ولكنها بعقائد مختلفة، ومفاهيم متباينة، وبتفكيرات متباعدة، لذا كان لزاماً ان نحدد ونقيد بلزوم اتباع فهم السلف، اذ كان الصحابة ومن بتلك الفترة حديثي عهد بالنبع الصافي، ولم تخالطهم فلسفة أو فكر منحرف.