مفردة «العلم» وشمولية المدلول في خطاب الوحي
طارق الحسين
من المضايق التي لم يتجاوزها الخطاب الاسلامي بعد ان كلمة العلم لم تأخذ حيزها الحقيقي في حياة المسلمين كما ارادها القرآن وكما بينها الرسول عليه الصلاة والسلام.
وكان ذلك سببا في تخبط كثير من الدعوات وترددها امام غزو العلم الغربي والشرقي والمد القادم الجاذب للانظار والنفوس ليصبح قبلة تتجه اليه الجموع.
منذ زمن ونحن نتعامل مع مصطلح العلم بأسلوب بعيد كل البعد عن مفهومنا الاسلامي الصحيح وإنما كان هذا التخلف من افرازات الاستعمار الغربي الاخير الذي قال لنا ان طريق العلم هو غير طريق الدين وجاء من وقف باسم الشريعة والدين موقف الضد للانفتاح العلمي والانطلاق في آفاق الكون والحياة حتى وجدنا من يكفر القائلين بكروية الارض ودورانها وبكفر وتكذيب من قال بوصول الانسان الى القمر. الأمة تجاوزت هذه المشكلة وعلمت ان العلم الوافد ضرورة ولكنها لم تصل بخطابها الاسلامي الى ان العلم بكل زواياه دين وعبودية هي احب الى الله من ألف ركعة. هناك نوع سقيم استعصى على الفهم وتجمد على موروثات جاءت في عصور الانحطاط والهزيمة ولازال هذا النوع يظن نفسه من سينجو دون غيره من الخلق. وهذه النوعية تجاوزها الزمن وبدأت تختفي وإن كانت لاتزال حاضرة إعلاميا.
المخلفات التي تركها هذا المفهوم المتدني للعلم والتي لاتزال طائفة تتبنى الخطاب الاسلامي تحمله له مظاهر من اهمها ان فريضة العلم وفضيلته لاتتعدى العلوم الشرعية اي علم التفسير والفقة والحديث وما يندرج فيها اما غير ذلك فضياع أوقات وبعد عن الله ولذلك وجدنا المصطلح العلمي محتكرا في علم الشريعة كقولنا (قال أهل العلم)، (اتفق اهل العلم)، (العالم فلان)، (طلب العلم)، (أجر العلم)، (مكانة العلم) وهكذا. ومن الذي ينكر شرف العلم بشريعة الله او يجحد مكانته. ولكن حكر العلم على علم الشريعة دون غيره انتقاص لذات الشريعة وسيأتي معنا ما يدل على ذلك.
إن (ما يحدث من إهالة القداسة على عالم الشريعة واحتكار فضل العلم عليه وضعنا امام ظاهرة غريبة وهي ظاهرة الوصاية على كل شيء). من قبل أهل التخصصات الشرعية بل وادعاء طالب العلم انه متقن لكل فنون الحياة ووجدنا من علماء الشريعة في مجتمعات كثيرة يعملون في سائر التخصصات وآمن قطاع عريض من الناس بأن أهل العلوم الشرعية ملهمون وجديرون بتصدر كل مجال ومما يصدق هذا الادعاء أنك تجد في أوساط التدين من يخوض في مجالات ليست من مهارته ولا من تخصصه فهو مسؤول اقتصادي ومالي في مؤسسة خيرية كبرى وهو مسؤول إعلامي كبير في مجلة أو صحيفة وهو ذاته السياسي المحنك وهو المربي والمعلم وهو المتقحم لججا لايحسن الخوض فيها الا أهلها من المتخصصين.
ولشدة سيطرة هذه الظاهرة على مجتمعاتنا وجدنا من يترك تخصصه الطبي أو الهندسي أو العسكري ثم يتجه للفتوى والقضايا الشرعية لأنه طريق الحق والعلم وما عداه فضياع أوقات اما العلوم الاخرى فنتركها لأهل الدنيا والغفلة عن الاخرة والكفار أولى بها. من اجل ذلك وجب ان نبين حقيقة العلم وان نعلن ان كل علم محمود عند الله إلا ما كان معصية كعلم السحر والكهانة وما لا خير فيه. ويزداد العلم شرفا وأجرا كلماقرب الى الله وزاد منسوب الايمان كعلوم الاحياء والافلاك والبحار والجيولوجيا وامثالها، او زاد الأمة قوة وحماية كالتكنولوجيا والطوبوغرافيا وما في هذا الباب.
ان علم مصطلح الحديث وعلم اصول الفقة لم تشرف لذاتها ولكنها شرفت لانها آلات توصل الى مراد الله او ما هو مظنة مراد الله فعاد شرف العلم على الوسائل فشرفت به والتصقت بفضله، وكل علم موصل الى الله او الى خير الاسلام ونفع الخلق فهو علم شريف يرفع الله به أهله من المؤمنين.
في كتاب الله عز وجل نجد علوما جاءت في معرض الامتنان ونجد العلم اوسع معنى واشمل في القرآن مما يعتقده اهل النظرة المحدودة للعلم، على سبيل المثال في قوله عز وجل: (إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور) هذه الآية جاءت في سياق التذكير بالنعمة والآلاء في السماوات والارض والماء والثمرات واختلاف الوانها والجبال والغرابيب والناس والدواب والانعام والاختلاف في النوع والالوان كما في سورة فاطر، والعلماء هنا الذين هم اشد خشية هم العلماء الذين علموا مقدار النعمة وعظمة الخلق، فالآية قرة عين لعلماء الطبيعة والفلك وامثالهم من أهل الايمان.
ونجد في القرآن كيف امتن الله على نبيه داود عليه السلام في قوله: (وعلمناه صنعة لبوس) وهذا سليمان عليه السلام يخاطب الناس (وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير وأوتينا من كل شيء إن هذا لهو الفضل المبين) ولما جاءته ملكة سبأ وقد احضر عرشها من كان عنده علم من الكتاب قال الله عن سليمان (فلما جاءت قيل اهكذا عرشك قالت كأنه هو وأوتينا العلم من قبلها وكنا مسلمين) وتعددت علوم سليمان عليه السلام.
ومن أعظم نعم الله على نبيه يوسف عليه السلام أن علمه تأويل الاحاديث وجعل فيه سر سعادته (وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الاحاديث ويتم نعمته عليك وعلى آل يعقوب). وهو عليه السلام الذي كان عليما بتوزيع الثروة ماهرا في تصريف المال وهذا ما قاله لملك مصر (اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم).
وفي حياة المصطفى صلى الله عليه وسلم وتعامله مع تخصصات اصحابه ما يدل على ذلك، فمنهم العالم بالحلال والحرام ومنهم العالم بالقرآن ومنهم العالم بالنسب ومنهم العالم بالحرب ومنهم العالم بالحديث ومنهم العالم بالشعر ومنهم العالم بالصناعة وكل ذلك مسخر في سبيل الحق مأجور اصحابه عليه. ولايجهل احد ان علماء الاسلام ومنهم الغزالي في الاحياء جعلوا هذه العلوم باستثناء فروض الايمان فروض كفاية اذا لم يتعلمها احد أثم الجميع.
فدل ذلك على أنها قربة وعبادة. وذكر الاصفهاني في الالفاظ ان كلمة عالَم: اسم للفلك وما يحويه من الجواهر والاعراض وهو في الاصل اسم لما يعلم به كالطابع والخاتم لما يطبع به ويختم به وجعل بناؤه على هذه الصيغة كالآلة، والعالم آلة في الدلالة على صانعه ولهذا أحالنا تعالى عليه في معرفة وحدانيته فقال: (أو لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض) وهو بحق كلام غاية في النفاسة.
وورد في الحديث الصحيح أمر النبي صلى الله عليه وسلم تعلم الانساب بما يعين على صلة الارحام فقال: (تعلموا من انسابكم ما تصلون به أرحامكم) قال المناوي في شرحه (وقد يجب إن توقف عليه واجب) فانظر الى الأمر بتعلم النسب فكيف بما هو أهم منه؟.
وقال عليه الصلاة والسلام: (تعلموا من النجوم ما تهتدون به في ظلمات البر والبحر ثم انتهوا) ورد بأكثر من طريق.
العلم الذي جاء به القرآن أشمل من أن تحتكره فئة وأعظم من مفهوم القاصرين عنه، فهو مفتاح لآفاق بعيدة ورحاب واسعة لو اخذنا به كنا أحسن حالا وأكرم مكانة.
أضف تعليقك