( الخميس 09/11/1427هـ ) 30/ نوفمبر /2006  العدد : 1992  
بحث تفصيلي
الأرشيف :
  • الرئيسية
  • شؤون محلية
    • اخبار المناطق
    • أحداث ومتابعات
    • المجتمع المدنى
    • شاهد عيان
    • مجتمعنا - حياتنا
    • سوق عكاظ
  • الدين و الحياة
    • صوت العقل
    • مفردات التجديد
  • أفاق ثقافية
    • ابداع
    • قراءات
    • متابعات ثقافية
  • كتاب ومقالات
  • أسواق المال
    • احداث اقتصادية
  • نحن والعالم
  • عكاظ الرياضية
    • الحدث الرياضي
    • الحوار الرياضي
    • ملاعب العالم
    • وقت مستقطع
  • أخبار الحوادث
  • الصفحة الأخيرة
الدين و الحياة » مفردات التجديد...
الغايات النبيلة لاتسوغ الوسائل المضرة
حتى لايكون هدفنا «تعليم المعدة»

  وليد سامي أبو الخير
أستعير هذا العنوان من أحمد أمين، فله مقالة مشهورة، كانت سببا في معركة بينه وبين زكي مبارك، كان عنوانها (الأدب العربي أدب معدة)، يشير الى أن دافع أكثره التكسب.وهذا القول يصدق على التعليم العربي - اليوم - أكثر مما يصدق على الأدب العربي القديم فقد كان دافع أكثره علميا وأدبيا، وأكثر ما دفعت إليه المعدة شعر المديح، وبعض الكتب التي كانت تؤلف بأمر من خليفة أو وزير أو قائد، أو ألفت تقربا إليهم أو طمعا فيما عندهم، أما التعليم العربي كله فقد صرف وجهته الى تربية الناس على تطلب الوظيفة وماتستتبع من مال وجاه ومصالح، وصرفهم عماكان ينبغي أن يكون غاية التعلم: تقويم العقول والتفكير، والسمو بالنفس الى ما يستوجبه تكريم الانسان، من سلوك وأخلاق، قبل تطلب الماديات.
يقضي الطالب عامه أو فصله الدراسي وهو لايبالي بدراسته حتى «إذا كانت ليلة الامتحان أو اليوم الذي يسبقها انكب على استظهار المادة دون فهم، فإذا غادر الامتحان بعد أن سكب على ورق الإجابة ما تعنى في استظهاره خرج صقيل الذاكرة، لايعرف مما تعنى فيه شيئا، لانه لم يفعل اكثر من برمجة عينه وذاكرته على ما يجتاز به الامتحان، فلما اجتازه ذهب كل شيء معه.
وذاك الذاهب لم يكن أكثر من صفحات استظهرت كيفما اتفق، دون فهم. وآية هذا أن الإجابة - عادة - تفيض من التصحيف والتحريف، والكلمات التي لامعنى لها، لأنه يحفظ صورة الكلمة من غير أن يفهمها، وإذا أعيته قراءتها صحيحة حفظها كما يتوهمها أو تعلق بمخيلته، يحمله على ذلك أن التعلم ليس مما يتغياه، والوقت الذي خصص للاستذكار لايسع الحفظ والفهم معا، وقد عرف جدوى ما تعود في تحقيق ما يتغيا من النجاح، وأسئلة الامتحان لاتقتضي اكثر مما يفعل: فلا مجال فيها للتفكير، وإنما هي: اذكر، عدد، وما شاكلها من الاسئلة المباشرة التي يغني فيها الحفظ وحده، يستوي في ذلك الادب والنحو والمواد الشرعية والرياضيات والعلوم الطبيعية والتاريخ.
واذا خرج امتحان بعض هذه المواد عن هذه الصيغ كانت الاجابة حلا لبعض تمارين الكتب المقررة، لايفعل الطالب اكثر من ان يحفظ حلها دون فهم ايضا.
ويتحدث الاساتذة عن التعليم، فيشتد النقد، وتطول الشكوى، وتكثر الحسرات والآهات، فإذا ظهرت النتائج رأيت الطلاب كلهم أو جلهم قد نجحوا، فتتذكر قولة الحريري في مقاماته، على لسان الحارث بن همام، لأبي زيد السروجي - وقد رآه في مغارة يعاقر الخمر، على شواء فاخر، بعد مقام له في الوعظ والحض على الزهد، ذرفت منه العيون، ورقت القلوب-: «يا هذا أيكون ذاك
من سلبيات تعليم المعدة انه يعطي الرخصة من لايستحقها فيهدم بذلك التفاوت بين الناس


محال ان تنهض أمة غير متعلمة، وليس التعلم رخص عمل تصدرها مؤسسات التعليم اعتباطا
خبرك وهذا مخبرك»؟ أي: أيكون ذاك القول الجميل، ويكون هذا الفعل القبيح!.
ولا تختلف الاجابة كثيرا عن إجابة أبي زيد السروجي للحارث بن همام: «مش حالك! الدنيا أكل عيش! خل الطلاب ياكلون عيش»!.
فتستجمع قواك البيانية، وما بحوزتك من المؤثرات العاطفية، وما لك من مقدرة على الاقناع، لتبين منافاة هذا العمل للاخلاق والشرع، ومجافاته للمصلحة، وما في أن يكون التعليم مجرد «أكل عيش» من ضرر وخطر. فينتقل الجواب الى ان هذه ارادة الادارة، وان من وقف الوقفة التي يستوجبها الشرع والاخلاق والمصلحة، فأعطى كل امرئ ما يستحق، وحكم معايير العدل جر على نفسه من الادارة ويلات لاقبل له بها. وليس من الحكمة أن يسبح بعكس التيار، فإن فعل فإن التيار صارعه لا محالة.
ويتذرع بعض الاخيار الى هذا العمل بذرائع شتى، ليس فيها الا ما يدل على قلة الوعي والنضج، من قبيل: الرحمة والاشفاق، والتودد الى الطلاب ليتمكن من التأثير فيهم، وتوجيههم وجهة صالحة، والرثاء لحال بعضهم المادية.
والغايات النبيلة لاتسوغ الوسائل المضرة، والمصلحة الخاصة لاتقدم على المصلحة العامة. وليست مضرة هذا العمل محصورة في تخريج غير المؤهلين للعمل، بل تتجاوزه الى تربية الناس على تجاوز المعايير وعدم الاكتراث بها، وجعل الاشياء خاضعة لامزجة الذين يتولونها، فيتصرفون بما يرون بمعزل عن الغايات، وما تقتضيه المصلحة والاخلاق والنظام. وكل مجتمع فقد المعايير في أفعاله عمته الفوضى والظلم والمحسوبية والرشوة، ولم يتجه لشيء.
والانسان أجل قدرا من أن يكون مجرد آكل عيش، فتلك خليقة لاتميزه من الحيوان والنبات، وقد كرم بما لم يكرما به، وخلق لغير ما خلقا له، فإن ساواهما في الغاية والهمة سقط ما يخصه دونهما، وساواهما في الجوهر.
ومحال أن تنهض أمة غير متعلمة، وليس التعلم رخص عمل، تصدرها مؤسسات التعليم اعتباطا. ولن ترشد أمة إلا إذا بنيت على العلم، وعلو الهمة الذي يحمل على الاستهانة بالصعاب وعشق الاستكشاف والتجريب، واعتماد التحدي. فإن عرت من هذا كانت نهضتها شيئية تستر بذور الفناء فيها بمظاهر خادعة، كتلك التي تحدث عنها طه حسين ذات مرة في مقالة له، سماها (الوسائل والغايات).
إن مؤسسات التعليم هي «مصانع للعقول، وتكرير النفوس، وتصفيتها من الثقافات السلبية، وتحليتها بالثقافات الايجابية البناءة»، فإذا اقتصرت مهمتها على إصدار رخص «أكل العيش»، وتعليق القلوب بالمصالح الشخصية وتحطيم الهمم، وإقرار الثقافات السلبية الموروثة في المجتمعات المتخلفة - لم تصنع شيئا، وكان ضررها أكبر من نفعها، فليس «أكل العيش» وحده غاية يجند لها من الطاقات المادية والمعنوية ما يجند في مؤسسات التعليم، وقديما قال عيسى - عليه السلام -: «ليس بالخبز وحده يحيا الناس».
لقد صارت الشهادات هي التي تؤهل المرء لما يتولى من أعمال، فيجب ألا تنال إلا وفق معايير صحيحة، لأن من أعطيها عن غير استحقاق تولى بها عملا ليس أهلا له والنبي صلى الله عليه وسلم «يقول إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة».
وإذا أبى التعليم التدخل في إصلاح النية والمقاصد، وترك الناس على ما أرادوا فيجب ألا يأذن لهم بأكل العيش إلا بجدارة، وإلا كان ساعيا في قيام ساعة الأمة التي يطلق عليها من حملة الرخص من ليس أهلا لما توليه من أعمال، على حين كانت ترجو منه غير ما يفعل.
إن من حكمة الله في تفاوت الناس أن يكون لكل شأن من شؤون الحياة من يتولاه، كما قال الله تعالى: (نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا)، ولو تساووا في العقول لفسدت الحياة، ومن سلبيات «تعليم المعدة» أنه يعطي الرخصة من لايستحقها، كما لايعطيها من يستحقها، فيهدم ذلك التفاوت بين الناس، فيفسد الحياة على أهلها، فيولي الأمر من لم يخلق له، ويحجبه عمن هو أهله، فيتولى كلاهما غير ما كان ينبغي أن يتولى، فيعمل فيه غير ما كان ينبغي ان يعمل. وليس التعليم مهنة كسائر المهن، يقتصر ضرر الخلل فيها على فئة معدودة من الناس، ولكنه القلب: يختل من صحة البدن بقدر ما يختل من وظائفه.
وإذا كان الاطباء يقولون إن الحياة والموت في المعدة، فحياة الشعوب وموتها في التعليم. وهذه البدهية التي لاتحتاج الى نظر هي التي جعلت دساتير بعض الدول تنص على أن الإخلال بتعليمها بمنزلة إعلان الحرب عليها. إن مرض التعليم العربي مرض مزمن بل معمر فنحن نقرأ في تراث الكتاب المحدثين نقدا لحال التعليم، لولا أننا نعرف تاريخ كتابته لحسبنا انه نتاج أيامنا هذه، من قبيل مقالة أحمد حسن الزيات في (الرسالة): (لو كنا نقرأ)، وكان كتبها في 27/مارس عام 1937م، ومن قبيل قول توفيق الحكيم على لسان حماره في كتابه (حماري قال لي) - وقد أصدره عام 1945م -: «وطلابكم يريدون أن يجتازوا الامتحانات بغير درس، ولا يعنيهم العلم في ذاته، بل يطلبون شهادة تغطي فيهم الجهل، وتفتح لهم الخزائن، وتصعد بهم الدرجات».
ومع ذلك يبقى الخلل منذ ذلك الزمان الى اليوم من دون علاج كأنه ضربة لازب، أو كأن إصلاحه فوق طاقة الناس. وتظل الحياة تسوء بقدر ما يسوء حال التعليم، فهل ذاك من أن مرض التعليم مرض عضال لايرجى برؤه، أم أن بقاءه غاية كبقاء التخلف؟!

طباعة  اكتب رأيك  اخبر صديقك  اتصل بنا 
  عودة للأعلى


أضف تعليقك


الإسم
البريد الإلكتروني
عنوان المشاركة
مشاركتك*
الأحرف المتبقية

عناوين مفردات التجديد

  • الفتاوى المتضاربة والأفكار المتشددة نموذجا
    الخطاب الديني بين الجمود والتفعيل
  • مفردة «العلم» وشمولية المدلول في خطاب الوحي


شؤون محلية - الدين و الحياة - أفاق ثقافية - كتاب ومقالات - أسواق المال - نحن والعالم - عكاظ الرياضية - أخبار الحوادث - الصفحة الأخيرة
ارسل ملاحظاتك - أسعار الإعلان في صفحات الإنترنت - كتاب عكاظ - بريد الصفحات - سجل الزوار - نسخة كفية

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة عكاظ للصحافة والنشر ©
جدة: 6760000