رأي في الحدث
العرب.. الدخول من الأبواب المغلقة
د.طلال صالح بنان
المتابع لحركة السياسة الخارجية الأمريكية يلاحظ تطوراً نوعياً فيها، عقب انتخابات الكونجرس التشريعية، بداية هذا الشهر، التي حقق فيها الديموقراطيون نصراً كبيراً على الجمهوريين، أخل كثيراً بمكانة البيت الأبيض في رسم السياسة الخارجية الأمريكية، في الفترة القادمة. انهزام الجمهوريين، يعني: هزيمة أجندة اليمينيين الجدد، في الإدارة الأمريكية، فيما يخص الترتيبات الإقليمية في المنطقة. فشل المشروع الأمريكي في العراق.. والتخلي عن نموذجه لتعميمه على منطقة الشرق الأوسط.. وتأكد ذلك بالمصاعب الأمنية والاستراتيجية التي واجهت إسرائيل في حربها الأخيرة على لبنان.
كان يجب، بعد كل تلك التطورات، العودة لصيغة القوى التقليدية القائمة في المنطقة، رغم التوازن الهش الذي يحكم علاقتها ببعضها البعض، بعيداً عن التفكير في تغيير خارطة المنطقة، بالصورة التي كان يحلم بها الجمهوريون الجدد. الرئيس الأمريكي، بدا يتحدث على استحياء لدور قادم لسوريا وإيران، لحل معضلة العراق..!؟ وبدأ يستنجد بأصدقاء أمريكا في منطقة الخليج العربي ومصر، لتهدئة الأوضاع في العراق.. والتقدم على مسار التسوية السلمية بين إسرائيل والفلسطينيين..!؟ إشارات مماثلة، تواردت على المنطقة من بريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوربي. كل ذلك استفز يقظة جديدة من قبل روسيا والصين لخدمة مصالحهما في المنطقة.
تطورات متلاحقة، لابد أن تسفر في القريب العاجل، عن تطوير استراتيجية جديدة، في واشنطن وبروكسل وموسكو وبكين والمنطقة العربية وإسرائيل، لمواجهة الآثار السلبية لطموحات اليمينيين الجدد، التي أطاحت بها انتخابات الكونجرس الأخيرة.. والعجز المزمن للخيار الأمني، في تحقيق طموحات واشنطن التوسعية، في المنطقة.
باختصار: واشنطن، لم تعد اللاعب الوحيد على الساحة، في أحداث المنطقة.. وإسرائيل لم تعد المستفيد النهائي من المغامرات العسكرية الأمريكية في المنطقة، إن لم تكن المتضرر الأول من فشل مشروع الجمهوريين الجدد. لقد تم للقوى الإقليمية التقليدية استعادة دورها التقليدي في تحقيق التوازن الهش فيها.. ونجحت هذه القوى الإقليمية، في الصمود في وجه المحاولات الاقصائية، التي جربتها واشنطن، في المرحلة السابقة
العرب عليهم أن يُقَيِموا هذه التطورات المتلاحقة على مسرح الأحداث في المنطقة.. والتغير الملحوظ في مواقف الفعاليات الدولية، التي كان لها دور في إحداث هذا الإرباك غير المسبوق فيها، بما يخدم مصالحهم العليا وأمنهم القومي. على العرب، أن يعلموا أن الكل في حاجة إلى الدور العربي، في المرحلة القادمة. في أسبوع واحد يزور نائب الرئيس الأمريكي والرئيس الأمريكي المنطقة، حدث لم يتكرر من قبل.. ويعكس اهتماماً أمريكياً متزايداً بالمتغير العربي. هذا الغزل، الذي يجري على استحياء بين واشنطن وطهران عبر طرف عربي مهم في المنطقة ( دمشق )، يجب على العرب، ألا يسمحوا له بأن يتمادى للإضرار بمصالح العرب العليا وأمنهم القومي. العرب، في هذه المرحلة أحوج لاسترجاع دمشق للصف العربي.. وأكثر حاجة للاقتراب من المسرح الفلسطيني، عبر المضي في تقريب وجهات النظر بين فتح وحركة حماس، من أجل تشكيل حكومة الوحدة الوطنية المنتظرة. العرب، أيضاً، عليهم أن يبذلوا جهداً مضاعفاً للحيلولة دون تفجر الأوضاع على الجبهة اللبنانية، ليس ببذل مساعٍ متواصلة تجاه الفرقاء اللبنانيين، بل الاقتراب أكثر من دمشق.. وتحييد المتغير لإيراني، في الأزمة، إلى أدنى مستوى ممكن.
تطورات متلاحقة، في مواقف وتوجهات القوى الفاعلة في النظام الدولي وعلى المستوى الإقليمي، على العرب، أن يتقدموا نحوها بثقة مَنْ لا يستغني أي طرف عن دور العرب فيها، وإلا فإن الساحة ستكون متاحة لقوى إقليمية، في المنطقة، منافسة إن لم تكن عدائية للعرب. لقد ترك العرب الساحة، في الماضي لفعاليات دولية وإقليمية، استغلتها لخدمة مصالحها والإضرار بمصالح العرب وأمنهم، في فلسطين والعراق ولبنان، حتى استفرد الإسرائيليون بالفلسطينيين وكادوا أن ينجحوا في حل المسألة الفلسطينية بطريقتهم الخاصة. واندلعت حرب على الجبهة اللبنانية الإسرائيلية، فاجأت العرب، حتى كشفت هشاشة موقفهم تجاه تطورات خطيرة تحدث على جبهة صراعهم مع إسرائيل.. ويكاد العراق أن يُقسم، ويشرف على حرب أهلية ضروس، والعرب لم يكن لهم دورٌ في العراق، يوازي، إن لم نقل يضاهي، أدوار لقوى إقليمية منافسة، مثل إيران وتركيا... بل ومعادية، مثل إسرائيل.
لا مجال للسلبية العربية، بعد أن أظهرت فعاليات دولية اهتماماً ملحوظاً بالمتغير العربي للتعامل مع قضايا المنطقة الخطرة والمصيرية. فتحت كل الأبواب التي كانت مغلقة أمام العرب، وما عليهم إلا ويدخلوا منها، من أجل انتهاز آخر فرصة متاحة لهم لاستعادة دورهم المحوري والاستراتيجي في استقرار المنطقة وحفظ توازنها.
أضف تعليقك